وقفة في وداع الفقيد ريمـون أثنائيل: برق متألق.. رحل مبكراً.

دانيال سليفو

عزيزي رفيق الدرب ريمون.. افتقدناك كثيراً.. يا أنقى فؤاد وأصفى وجدان.

حينما سمعنا برحيلك.. أصاب الجرح عمق النفس، واشتعلت فيها جمرات بلا لهب، ولكن بأنوار مضيئة بذكريات من الماضي.

لم تكن تعرف الحقد ولا الكره ولا الغيبة لاحد ً، وكانت موجات العيون تشع بآيات المُحبة والابتسامات المخفية، تكفي ليعيد الأخرون حساباتهم.. فلولا وجود السيئين ما كنا عرفنا قيمة الطيبين المضحيين. أما الأشرار المُسيئين جميعاً، لفظهم الزمن، وتحولوا الى قشة منجرفة نحو المياه الأسنة! وتعرف تماماً ماذا أقصد..

تحيط بي ذكريات من الغرف الضيقة في الامن العامة، حيث لا زلتُ أراك واقفاً بعز وأنفة. وتأبى حتى من أخذ استحقاقك من وجبات الغذاء المتواضعة وحتى نوبات النوم لتتبرع بها للرفاق المحتجزين معك في غرف (السردين) تلك.. تلك الغرف البائسة التي، أضحت الى معاني وجدانية لا تقل في قدسيتها عن رحم الأم.

لأنك ومسوقاً بقلبك الكبير والمرفرف كجناحي فراشة، تفرح مع فرح الناس وتواسي المُعذبين رغم كونك منهم، وقلبك اتسع للجميع.. وفيه فاضت معاني نموذجية راقية للأخلاق وللروح الرفاقية والتضحية ونكران الذات، ولكنك ترجلت سريعاً نحو عالم الخلود.. دار البقاء، لأننا نؤمن بان ((كل من يعمل لأمته، حتى وان رحل عن عالمنا، تبقى ذكراه متداوله من جيل الى جيل)).

ترجلك عن المسيرة، مسيرة الحياة القومية. تركت أرواحنا في وحشة جرداء.. وجعلتنا نركن الى الذكريات الجميلة، الجميلة في مفردات المعاناة اليومية. اذ ان المعيشة معكم كانت متعة، فالمتعة كانت في الألم احياناً. وأصبح التألم الواعي عندنا من الضروريات! لان الوعي والأيمان كان دافعاً لاجتراح طاقة للعمل من أجل قضيتنا، قضية الحياة.

واليوم.. القلم يتحرك ذاتياً ليكتب ويجسد المشاعر فيما بين السطور، ويُسطّر العواطف الجريحة في الرثاء بحبر الوفاء والإخلاص. من والى جدران الملاحم، ملاحمنا على الأقل.. وأيماننا يظل مُتقداً وكأنك لا زلت معنا.