وحدتنا القومية والوطنية في العراق : نظرة من الاتجاه الآخر على ضوء مثل الأب والأبناء والعُصي

دانيال سليفو

مشاهد عديدة تُستحضَر وتُستل بدون ميعاد من الماضي حينما تتم أستثارة مكامنها الدفينة داخل الذاكرة  و الوعي  وذلك بتأثير كتاب أو مقال أو برنامج أو حديث معين , وتعيدك تلك الصور الى ما كنت تعتقد بانهُ مُسح ولا سبيل الى إعادته , ولكنها تبقى عملية مهمة في عملية التحصيل المعرفي التراكمي . ومما تم إستعارته أخيراً من صفحات الماضي من الزمن الجميل ما جرى قبل عقود وفي فترات محددة . إذ كنت أمارس مرغماً لعُبة التخفي والإختباء مع جارنا ( عمو يوسف الحلاق ) الذي كان يترصدني حينما أخرج الى الشارع , فيقفز أمامي فجأةً  من أمام الباب وكأنه ينتظرني لينهال بصليّة من الأسئلة العشوائية ليمتحن معلوماتي عن انبياء قصص الكتاب المقدس وشخصياته مثل الملك داود وسليمان والمزامير وغيرها . وكان يهز برأسه يميناً ويساراً حزيناً ممتعضاً من إجاباتي ومعلوماتي المتواضعة الشحيحة !.

وأكثر القصص التي كان يعيدها على مسامعي وحفظتها على ظهر قلب مثل الإناشيد الصباحية  في مدرسة النبراس في الحبانية , قصة الأب الذي أراد تعليم أبناءه أهمية الوحدة , فدعا كل ولد من أولاده الثلاث الى جلب عصا , ثم لمّها وجعلها حزمة واحده ولم يستطع أحداً منهم كسرها ولكنها ( العصي ) أصبحت سهلة الكسر بعد تفريقها واحدة عن الأخرى !. ويبدو ان المثل هذا يلائم ظروف الحرب الآنية والمعارك  من أجل التعبئة والصولات ومجابهة الغزوات . وأظنُ  ان وحدة العمل والتنسيق والإحتفاظ بالرؤى والمواقف بين الأطراف هي أهم من الإتحاد والإندماج والإنصهرار فيما بينهم .

كنت اشعر بوجود نوع من المثالية المفرطة ( الكئيبة ) في هذا المثل , ولسان حالي يقول ( إنشاءالله عمرهم ما يتحدوا ! ) . وبعد عقود من التجارب الحياتية وبالذات في الحقل القومي – الوطني , لملمتُ العديد من ( الملفات ) وخزنتها عندي كأحداث ورؤى كباقة  مقطوفة من الأيام وسنوات الهدوء والإستقرار حيناً والشقاء  أحياناً , لتتكون لديّ حزمة كبيرة من المعايير والقياسات الواقعية التي جعلتني في موضع القادر على النقد والتقييم الكافيين لأفهم المعنى الحقيقي لهذا المثل , والإسلوب الأمثل والأنسب لتطبيقه  حسب إدراكي الحسي والتجريبي الذاتي طبعاً .

أكاد أُجزم بأن الجميع سمع بقصة الأب هذا وأبناءه الذين أصبحوا ضائعين ولو الى حين  ! , والجميع يعلم أهمية الوحدة القومية والوطنية , وضرورة تجميع القوى والرؤى من أجل تكوين وتعبئة شعب قوي وفعال ومتحصن وسليم .. إذن أين الخلل ؟!.

هل الخلل في الأب ( رب العمل ) بكل ما يملكه من تراث سومري وبابلي وآشوري عريق وعظمة  ألإنجازات الإنسانية ؟.  أم إن هذا مستحيل , لأن ما قدمه غذى وأسس حضارات لاقوام وشعوب كثيرة على مستوى طول الكرة الأرضية وعرضها !. أم  الخلل في الأبناء ( العمال الفاعلون ) الذين لم يفهموا ميراث الأب وإرادته ولم يدركوا قيمة العمل ولا يملكون زمام الامر ولا خطة فعاله أو خارطة للطريق ولا يعيرون أهمية للماضي ( رغم كونه لا يزال معنا ) ؟!. أم إن الخلل ( كل الخلل ) في أدوات العمل وطبيعتها وكفاءتها ( العصي ) ؟!. وهل نلوم قلة الأدوات وعطبها وركاكة مفعولها ؟. أم نلوم قلة  كفاءتنا وخبرتنا ؟. لكن  تبقى رغبة الأب وهدفه من الثوابت و تبقى الأدوات من المتغيرات . وقد يكون الخلل ونقطة الضعف  القاتل في خطأ إختيارنا للأدوات ( العصي ) والخلط بين أنواعها وقوّتها ,  وضعف في اختيار الزمان والمكان  المناسبين , أي بين الستراتيجية ومتطلبات المرحلة .

من عصيّهُم تعرفونهم !

*- البعض من العاملين يمتاز بالنوعية النادره  الممتازة ,  يختار بوعي ومبدأية ونكران ذات العصى الصلبة كـ ( السنديان أو الزان  ) القوية ليبني مواقفه , وترى ثماره في الساحة القومية والوطنية بوضوح . ويتميز بالإلتزام والإخلاص للعمل المنظم  الإجتماعي والمؤسساتي والحزبي كذلك , و ملتصق بالإنتماء الحقيقي الواقعي المنفتح على كل الآراء والآجتهادات المطروحة في الساحة , ويحرص على الوحدة القومية والوطنية , ويتجنب  الوقوع في مستنقع الأسماء والسبطيّة ( العشائرية )  والطائفية والإنتماء الديني والمذهبي , وهاجزه مستقبل الأمة والعراق أمام الأخطار الحالية والقادمة , كما إنه لا يلين ولا يهتز أمام رشقات الحجارة والتشويه والتسقيط . وهذه الفئة يمثلها المثقف القومي والسياسي والفنان والشاعر والأديب واللغوي المبدع ومنهم العديد ممن أصبحوا أيقونات حاضرة في ضمير الأجيال .

**- البعض الآخر من الأبناء يختار عصا لينه  كـ ( الصنوبر والجام  ) , ويمتاز بديكورية المواقف والشكل الجميل ولكن بمضمون سفسطائي مُحيّر وفنتازي ,  وتراهم مزدوجي المواقف بتأثير مناخ الحدث وتأثير شخصياته , وتظل هواجزه وآماله منصبة نحو المواقع والمناصب الكبيرة المهمة ,  ويعزف بسرعة فائقة عن المشاركة الفعالة  حينما يفقد إمتيازاته  ومصالحة . وهو سطحي ويحوّل الثقافة الى سخافة والنباهة القومية الى تفاهة , ويمسك العصي اللينة من الوسط متأرجحاً بين عشيرته وإنتماءه الحزبي التنظيمي . وهذه الفئة تشبه الطبقة الوسطى القلقلة في المجتمعات والتي قد تقفز لمسافات غير مُعدة ولا مدروسه , مقامراً بالمصير دون هوادة  فاما غالب أو مغلوب , وأحياناً يتقدم خطوة  ويتراجع خطوتين ! , ولكنه بالنتيجة هو ضحية التاريخ والسياسة والمجتمع .

***- والفئة الثالثة إختارت ان لا تختار , فأصبحت هي وعصاها  من النوع الصناعي ,  أي تجمُع طبقات عديدة من طبقات النشاره والخشب التالف من مختلف الانواع ويتم تماسكه  بالصمغ القوي !. وقد يُغطى أحيانا بالنوع الجيد من الخشب من أجل البهرجة فقط , وهذه الفئة تهتز يميناً وشمالاً مع حرارة الحدث وبرودته , وهي مبدعة في التسقيط والتشهير والدجل والوصولية والتسلق , ولها قابلية عجيبة في ممارسة الأخطاء , وبسببها تُصاب قضيتنا بالفيروسات والأمراض القومية الخبيثة , كاليأس والإنحناء والقنوط والإستسلام . وهذه الفئة تبقى مشروعاً دائماً للإرتماء في حضن الغير وخدمة أهدافه والعمالة والخيانة .

كما إن هذه الفئة الأخيرة هي التي كان قد قصدها (جاري العم يوسف ) من حيث لا يدري حينما خرج   مهموماً و منزعجاً لظروف خاصة به في أحد الأيام قائلاً : ( ذنب الكلب وضع في قالب لمدة اربعين يوماً ولم يتعدل !. ) وكان جوابي : عمي .. الوضع الطبيعي لذنب الكلب ان يكون أعوجاً ! وترانا متعايشين مع الكلاب رغم ذيولها العوجاء , هكذا خُلقت , فلا تتعب نفسك . فكانت إبتسامته الأخيرة قبل أن يرحل الى ملكوت السماء بأشهر .

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن وجهة نظر الموقع