مستديرة يونس تحقق ما عجزت عنه مستديرة السياسيين العراقيين

حنان اويشا

مع ابتهاجنا بفوز المنتخب العراقي  ببطولة خليجي 25 التي جرت في العراق هذا العام 2023، رجعت بنا الذاكرة لمقالنا ادناه المنشور في جريدة “بهرا” والتي خطها القلب قبل القلم انذاك، بعد ان عشنا حينها فرحة مماثلة عند فوز المنتخب العراقي بكأس أمم آسيا عام 2007 .. ليتبادر في الذهن مع مطالعة المقال من جديد، مقارنة بسيطة للوضع العام في بلدنا بين الحدثين وبعد مرور 16عاما، نجد انه شهد تغييرات نحو تحسين بنية الدولة ومؤسساتها، الا انها ماتزال تفتقر الى الكثير منها تلك التي تليق بمستوى ابداعات شعب العراق وعطائه وصبره، ولتمهد له الطريق للخلق والابداع في كل ميادين الحياة  اذا ما اريد لهذا الوطن حاضراً يوازي ارثه الغني وتاريخه العريق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقالة :

(مستديرة يونس تحقق ما عجزت عنه مستديرة السياسيين العراقيين)

حنان اويشا ـ 2007

قبل ايام عاش العراقيون بكل الوانهم وانتمائاتهم حدثاً مهماً كان له وقع مدوي ..  حدث اقل ما يقال عنه انه “انتصار كبير” .. فقد فاز المنتخب الوطني العراقي وتوج بطلاً لامم آسيا لعام 2007 ، بعد فوزه على المنتخب السعودي في المباراة النهائية بهدف مقابل لاشيء ، واحرز الهدف اللاعب المقتدر يونس محمود، لتعم بذلك بين العراقيين داخل الوطن وفي الشتات فرحة عارمة ربما لم يعيشوا مثيلاتها منذ عقود طويلة.. حدث رياضي لم يتوقعه احد رغم ما سبق البطولة وخلالها من اراء وتوقعات ادلى بها محللون رياضيون في المحطات الفضائية وغيرها من وسائل الاعلام ، الذين كانوا يعولون على فرق محددة مع استبعاد واضح للفريق العراقي. وطبعا لم تاتي تلك التوقعات اعتباطاً، بل جاءت مبنية على اساس ما سبق البطولة من عمليات الاعداد والتحضير للفرق المشاركة والمعسكرات التدريبية التي دخلتها.. لم نسمع احدهم يضع الفريق العراقي في خانة المرشحين للظفر بالبطولة، بل كان هناك تشكيك في اجتيازه الادوارالاولى ايضا، وحتى المحطات العراقية التي وان آزرت الفريق بقوة وكرست كل امكانياتها لذلك، الا ان توقعاتها بنيل اللقب كانت خجولة ايضا واقتصرت على اطلاق الامال والامنيات بتحقيق ذلك.. ولكن فعلها العراقيون.. فعلها ابناء العراق واسوده بكل شجاعة، واثبتوا قدرتهم وحضورهم رغم خوضهم جميع المباريات وقبلها التصفيات في ملاعب وساحات دول اخرى. ورغم تحضيراتهم المتواضعة جاءوا بالكأس وقدموه كهدية وصفوها ب “البسيطة” الى ابناء العراق، الذي لم تسعفه الكلمات والافعال في وصف قيمتها ومعانيها.

رئيس الاتحاد الاسيوي لكرة القدم عبرعن رأيه بمنتخب العراق في وصف جميل وعميق المعاني قائلا: انه “مدرسة الحياة” .. اليس حقا مدرسة الحياة؟  فقد جاء فوزه ببطولة الامم الاسيوية كصفعة قوية في وجه كل اعداء الحياة الذين لايريدون لهذا البلد العريق العيش بحرية وكرامة ورفاهية متناسين عظمتة متجاهلين قدرات شعبنه سليل تلك الحضارات التي لايمكن ان تندثر يوماً بل هي في تجدد دائم.

قد يرى البعض ان العراقيون يبالغون في فرحهم بمنتخبهم ، لانه بالنهاية مجرد فوز ببطولة رياضية ، لكن الاجدر بهم ان ينظروا بان المسألة تعدت كونها فوز فريق في لعبة رياضية وفرحهم الجنوني ذاك يعني “انتصار ارادته بالحياة”  .. الفرح الذي غاب عنهم لعقود طويلة ولم يعرفوا معناه الحقيقي تحت وطأة الظروف الصعبة والاستثنائية التي عاشوها نتيجة السياسات الخاطئة لسياسي البلد وحكامه ولسنوات طويلة، وبان هذا الفوز هو نقطة  مضيئة اخرى في سجل ابداعات ابناء هذا الوطن الذي ينتظر منهم تضميد جراحه وتخطي الصعاب “مهما كثرت” ليولد من جديد، ويعيش شعبه حياة آمنة ومستقرة.

ان فوز المنتخب العراقي لم يقتصرعلى هز شباك الخصم بهدف قاتل، وانما جاء بزلزال هز مشاعر العراقيين ونفوسهم متلقين رسالة صادقة من فريقهم ان اسعادهم هو الهدف الحقيقي والغاية التي لن يتنازلوا عنها. فقد حققت مستديرة يونس وهوار ونشأت وقصي وجميع زملائهم والى جانبهم الشعب العراقي باكمله ما لم تتمكن مستديرة السياسيون العراقيون تحقيقه.. وعزف المنتخب في المستطيل الاخضرسمفونية رائعة، وضعت نغماتها روح الجماعة، وتغنت بعشق الوطن وتحدت الخصم بكل امكانياته، وتحت وطأة الامطار والرطوبة العالية بعيدا عن ارضه وجمهوره.. سمفونية كنا نأمل من سياسيونا ان يعزفوا لنا نغمة واحدة منها داخل مستطيلهم الاخضر.

لقد برهن العراقيون وحدتهم وتلاحمهم التي مازال اعدائهم يراهنون عليها، وعشنا ذلك البرهان واختبرناه  ليس فقط بفوز المنتخب العراقي فحسب، بل من خلال نموذج رائع آخر تزامن مع فوز المنتخب ببطولة آسيا وذلك عندما ساند جميع العراقيين بكل قومياتهم واديانهم وطوائفهم ابنة العراق “شذى حسون”  حتى نالت لقب “ستار اكاديمي” في موسمه الرابع وهو أحد برامج المواهب الذي يبث على قناة LBC اللبنانية وذلك من خلال اتصالاتهم وتصويتهم لها  حتى حصولها على نسبة عالية من الاصوات فاق كثيرا النسب التي حصل عليها زملائها المتاهلين للحفل النهائي .. فهي استحقت اللقب بجدارة، وعبرت بعد نيله عن حبها لشعبها وانتمائها لوطنها العراق الذي بادلها الحب وتفاعل معها ومع فنها، وفي نفس الوقت عبرعن وقوفه متحداً متماسكاً عندما يكون رفع اسم العراق وعلمه هو الهدف والغاية. ليتحول نيل شذى اللقب بمثابة تظاهرة وطنية خرج اليها جميع العراقيين اينما كانوا.

لقد كانت رسالة العراقيين الى ساستهم واضحة وجلية عبر تلاحمهم واصرارهم على تجاوز الخلافات والصعوبات عندما يتعلق الامر بالوطن واعلاء شأنه ، فالذي عجزعنه السياسيين ، تمكن الشعب من تحقيقه عبر فنانيه ورياضييه ومثقفيه وجميع شرائحه، الشعب الذي صبر كثيرا على الجراح وكان على سياسي البلد ان يضعوا حداً لمعانتهم وواقعهم المرير وذلك ما كان متوقعاً من النظام الجديد الذي انتظرنا منه طي صفحات ماساوية عاشها شعبهم، فمتى سيتنفس هذا الشعب المبدع والمكافح والغني الصعداء ليحيا ابنائه حياة طبيعية كسائر شعوب العالم ويغني البشرية من جديد بالمزيد من العطاء والابداع .

هنيئا لكم شعب العراق هذا الفوز، وهنيئا لكم هذا التلاحم والاصرارعلى الحياة .