مجرد رأي / شخابيط على جدار العمل القومي والوطني

دانيال سليفو

ثلاث مناظر من مسرح الحياة

المنظر الأول – تمرنتُ على تحسين خطي بمساعدة كراس لتعليم الخط العربي للخطاط المشهور محمد حسني. وكنت اكتب العديد من العبارات والأسماء والجمل وكل ما يخطر في بالي لإسقطها على الورق وتتحول الى لوحات من الخطوط الفنية الجميلة، ومن خلال مراجعتها، أقيس تقدمي وتطوري في هذا الفن. ولم أكن أعلم بأن العبارات ستُدل بشكل أو بآخر عن ما يتلجلج في داخلي لا أرادياً. وحينما أراد أحد الأصدقاء الإطلاع على تجاربي في الخط، وبدأ قراءة النماذج من الكلمات والجمُل، صعقني بصوته المذعور وهو ينظر من النافذة الى الخارج بقلق : ما هذا ؟ ماذا تعني بالجيش الآثوري المقاتل !. ( لا أدري ان كان هناك جيش غير مُقاتل !.) وأجبته بصوت مباشر وصارم : مجرد تمرين على الخط ولا أقصد شيئ !. ولكنه وبعد دقائق من الشرود، إستفاق من ذعره وإستقرت وإنتظمت موجات الوعي لديه وتوجه نحوي قائلاً : أنا معكم، سجلني !. وختمت جوابي له بعد ان استنفذت مني السُبل لإزالة هذا الإبتلاء : صدقني لا يوجد هكذا جيش.. على كل حال الله كريم، لنحصل على السلاح اولاً !. ولكنه هّز رأسه يميناً وشمالاً وبنظرات من الشك مستنكراً نكراني وخرج مُسرعاً . وبعد أيام ألتقى بي وأكد هامساً في إذني بان عدد من الأصدقاء يودّون الإنضمام إلينا، ولم يدر في خلدي يوماً أن أسجل هذا ( المنجز ) في ديوان حسناتي ومناقبي!. . ومرت السنون وعلمتُ بأن هناك عدد من القوميين المندفعين مسوقين بالحماس والفنتازيا خلقوا تنظيمات بسابق من الوعي والترصد بعناوين براقة دنكوشيتية فارغة من المضامين، وكنت أعتقد بأنه هذه تجارب وقتية إنزوت وتوارت بعيداً في زوايا الإهمال من ذاكرة التاريخ، ولكني فوجئت بأنني أتعايش مع منتوجات تسير في أطلال تلك الأيام ، تم إعادة تركيب وجمع قطعها المتناثرة، لتباع في سوق الأحد بأسعار زهيدة أو مجانية ليجعلوا هذه العناوين البراقة فتاشات تشعل الفتايل النفطية الدخانية ! ليتم إستخدامها كمادة للتفاخر والتسلق وتسجيل النقاط وبناء مجد زائف !، وكذلك من أجل تجييش العواطف الملتهبة نحو شخوصهم التي لا تعرف بأنها لا تعرف معنى الكفاح والعمل التنظيري والتنظيمي المتصل بالواقع المُعاش والمُمارس تحت الشمس. هذه الإندفاعات المنفلته تضيع في عوالم إفتراضية، وكأنها شخابيط على سطح المياه الآسنة، ولا علاقة لها بالعمل القومي- الوطني الحقيقي لا من بعيد ولا من قريب، ولكنها وللمصيبة ولحظنا العاثر، شحنت العديد من الأفراد الى الحد الاقصى وخلقت أمامهم غمامات ضبابية، منعتهم من الرؤية الواضحة لحقيقة المأساة وحجم القضية وأُطرها وحدودها،لانها تطالبهم بما هو غير مُستطاع وتضع أمامهم خطط إعجازية سرابية تجعلهم يصدمون ببعضهم البعض ويتراوحون في مكانهم أمام الجدران الوهمية العالية وينزون بعيداً، بعد أن فقدوا البوصلة وخط المسير، فيعزف الضحايا عن المشاركة ويلعنون اليوم الذي عرفوا هذا الخط والعمل القومي- الوطني فينالهم السُبات، وينضمون الى ضحايا آخرين.

المنظر الثاني – عموماً وليس تعميماً، البعض ممن اراد الإنخراط في العمل التنظيمي القومي الوطني في خدمة الأمة وقضيتها، جاءوا حاملين معهم رواسب من  الاساليب والكليشيهات التي عفى عنها الزمن وتعفنت، فتراهم يجتهدون ويفتّون ويجادلون في الأمور ولا يصغون ولا يسمعون، ويتصرف الواحد منهم بما لا يملك من صلاحيات، ولكنه يبدأ كلامه النرجسي المعطوب مع الآخرين وكأنهم يعملون عنده ومتفضل عليهم  بـ( قررنا أو نريد منكم أو يجب عليكم وماذا نعمل لكم أكثر ! ). وحينما يقع في المطبات فاما أن يتشّدد ويصّر على رأيه، أو يلوم التنظيم وقيادته التي لا تفهم مثله أو بإنها  لم  تعلّمهُ !. هذا البعض يخلط أحياناً بين العمل القومي التنظيمي السياسي والطيبة الإيمانية الكهنوتية، فلا تحصل منه لا على حق ولا باطل، كما يخلط بين الإنتماء للسبط ( العشيرة ) والإنتماء الى الأمة، لا بل الأسوأ فهو ينخرط مع البعض من أبناء عشيرته للسيطرة على التنظيم وفرض قيمها البالية وفرضها على إسلوب العمل وبنائه التنظيمي والعلاقاتي مؤدياً الى إبتعاد أبناء العشائر الأخرى عن العمل القومي وحتى عن التواصل الإجتماعي معهم.. أما علاقته مع الكنيسة !، فحدث ولا حرج، تراه شاهراً سيفة ضد هذه الكنيسة أو تلك مبتدأً من البطريرك مروراً بالمطارنه والقساوسة وأبناء الأبرشية، فهذه الكنيسة عميلة للخارج وتلك للحكومة والأخرى تقويمها خطأ ولا يجوز حضور قداسها الا من باب الإضطرار ولقاء الأصدقاء!.

المنظر الثالث – التواصل الحقيقي والطبيعي بين البشر لا يقتصر على حركة الرأس واليدين والكتفين فقط، بل يتعدى ذلك الى تعابير الوجه وطبقة الصوت ونغمته، وأهمها لغة العيون والتي نستشف منها الصدق والفرح والحزن والعاطفة وغير ذلك. التواصل الطبيعي بين البشر وهذا يؤدي الى إختراق الرأى الآخر وأيصال النقد والتقييم الى الهدف بشفافية وتأثير، ولكن عند وجود خلل ما أوعيب في الجسد أو في الفكر يضطر صاحبة الى التخفي ولبس القناع والإنبطاح تحت إسم مستعار للتعبير والتشفي والمبارزة في المواقع الألكترونية على طريقة الزورو. ولكن هذا الرجل المقنع أو تلك المُقنعّة التي تكتب بإسم الذكور، يضعون إحدى أقدامهم على العتبة والقدم الأخرى متأخرة الى الوراء وجاهزة للفرار في أية لحظة. ويفسرون كل شئ بنظرية المؤامرة ويشيعون الشك والوسوسة حول كل شخص وحول كل نظام وتنطيم، ويحتاطون بشدة وحذر، ويعيشون في كهوفهم المظلمة متعلقين بسقوفها. وقد لا يعلم هؤلاء المقنعين الأشباح إن إسلوب اللص الظريف إن كان ملائماً في الماضي فهو اليوم قد ولّى، ومن يمارسه عليه أن يراجع طبيب نفسي ويشكي من حالته والتي تُشخّص بأنه ( يعيش الحاضر بعقلية الماضي )!. وسيرى كل رعاية ودعم وترحيب وإحترام الى أن يعبر المرحلة، فهو أخ  وابن البيت القومي، وموقعة المناسب لا يزال شاغراً وينتظر عودته والظهور بوجهه الجميل وأسمه الصريح المُعبر عن ذاته المخفية أسلوبه هذا لن يعفيه من المسؤولية. وليُشمّر هؤلاء عن سواعدهم للعمل مع الجميع بكل شجاعة و ثقة وإحترام للذات، لإنتاج كل ما هو خيّر وتقدم وإزدهار الأمة والوطن. فالقضية ليست حكراً على أحد. ولكن الخائفون لا يصنعون الأمجاد.