عيوننا وقلوبنا ترحل الى مدينة شيكاغو، لماذا؟

د. ليون برخو

أظن أن عيون الكثير من أبناء وبنات كنيسة المشرق المجيدة ترنوا الى الاجتماع الذي ستعقده لجنة أسقفية تمثل شطرين من هذه الكنيسة العريقة المتمثلة بكنيسة المشرق الأشورية وكنيسة المشرق القديمة.

ليس العيون وحسب، بل القلوب تخفق منتظرة يوم التاسع من هذا الشهر (أيار) حيث ستلتئم هذه اللجنة لوضع لبنات لوحدة صف كنيستنا المشرقية المجيدة.

ليس عيون وقلوب المنتمين الى الشطرين – المشرقي الأشوري والمشرقي القديم – بل عيون وقلوب أشقائهم من كنيسة المشرق الكلدانية ستكون منصبة على هذا الاجتماع. ليس هذا وحسب، بل سترافقهم عيون وقلوب المشارقة أجمعين.

لا أريد أن أستبق الأمور، بيد أنني أقول إن اللجنة هذه امام لحظة تاريخية ومصيرية قد تقرر مستقبل هذه الكنيسة التي كانت في عزها أعظم كنيسة في الدنيا من حيث الانتشار الجغرافي وعدد المنتمين.

ربما ليس هناك حاضرة في الشرق برمته لم تترك فيها هذه الكنيسة بصماتها. وبين الفينة والأخرى، لنا اكتشاف جديد، او مخطوط يرفع الغبار عنه، او تصويب يزيد هذه الكنيسة بهاء ورونقا وأصالة.

شيء من تاريخ كنيستنا المشرقية، ولو باختصار شديد، لا بد منه كي نعلم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الهرم الكنسي للشطرين.

هل أذكر نفسي ومتابعي الكرام بالباغودا pagoda في الصين (أنظر الصورة) التي ظهر أنها كنيسة من كنائس كنيسة المشرق بنيت في القرن التاسع الميلادي، وهي اليوم واحدة من أهم النصب في العالم.

هل اذكر نفسي ومتابعي الكرام بروائع هذه الكنيسة في الهند وأتباعها بالملايين (الذين خسرناهم في غفلة من الزمن) وما بنته هذه الكنيسة هناك من بنى تحتية مشرقية لا زال بعضها شاخصا.

والقائمة تطول لأن ليس هناك بقعة في الشرق إلا ولكنيسة المشرق نصيب فيه.

وليس هناك حجر او شجر لم يسقيه الدم الزكي الذي سكبه شهداء هذه الكنيسة وهم قد لا يحصون.

أخاطب نفسي أولا وأظن من حقي أن أخاطب الهرم الكنسي للشطرين، وأقول إننا أمام مؤسسة كنسية كل حرف ومزمور وعونيثا ومدراشا وشورايا وشوحلابا وطقس وريازة وألحان وتراث ولغة وموسيقى وفنون تركته لنا كنيستنا قد سقته بدمها الزكي.

ولهذا أين ما ذهبت هذه الكنيسة كانت تحمل تراثها ولغتها وفنونها وريازتها وطقسها وإرثها وتراثها وثقافتها معها جنبا الى جنب المسرة والبشارة.

أخاطب نفس ومتابعي وأقول كنيستنا كنيسة تعليم ܡܠܦܢܘܬܐ  وطقسها وتراثها برمته هو ܡܠܦܢܘܬܐ.

أخاطب نفسي ومتابعي وأقول كنيستنا في صلاتها وطقوسها تمنح التعليم ܡܠܦܢܘܬܐ مكانة خاصة.

فها هو مار ماروثا ܡܪܝ ܡܪܘܬܐ يصدح في أناشيده البديعة التي تؤرخ لشهداء كنيستنا وقبل أكثر من 1500 سنة قائلا: ܫܪܓܐ ܘܢܘܗܪܐ ܐܝܬܘܗܝ ܝܘܠܦܢܐ أي “العلم سراج ونور”؛ ومن مار ماروثا، رائد من رواد أدبنا الكنسي، اقتبستها أمم أخرى واليوم صارت لديها من الحكم الرأسية.

وهذا مار نرساي ܡܪܝ ܢܪܣܝ الذي سبق مار ماروثا ببعض سنين ونيف، يصدح في تسبيحة النور وفي تناص مع المسرة والبشارة، ويجعل التعليم والعلم بمثابة التجارة بالوزنات التي تثمر، ومن خلال الثمرات هذه سنستحق سماع قول المخلص تعالوا ورثوا ملكوت السماء: ܒܟܟܪܐ ܕܡܠܬ ܝܘܠܦܢܐ ܢܬܬܓܪ ܥܕ ܚܝܝܢܢ. ܕܢܫܬܘܐ ܕܢܫܡܥ ܗܘ ܩܠܐ ܕܬܘ ܩܒܠܘ ܡܘܠܟܢܝܟܘܢ.

وها هو مارعبد يشوع بار بريخا الصوباوي ܥܒܕܝܝܫܘܥ ܒܪ ܒܪܝܟܐ ܕܨܘܒܐ يصرخ فينا كل يوم أحد في طلباته وتراجمه ܬܘܪܓܡܐ أيها المؤمنون ܐܘ ܕܡܗܝܡܢܢ كي نهتف سوية وتحت خيمة كنيسة واحدة؛ وبار بريخا ܒܪ ܒܪܝܟܐ ليس فيلسوف وعالم لاهوت خاص بكنيستنا، حيث تستحوذ مؤلفاته اليوم على اهتمام بارز في العالم المسيحي برمته، وأخرها كان المؤتمر العالمي الذي عقده الفاتيكان لإحياء ذكراه ومؤلفاته.

لو لم يكن لكنيستنا غير مار ماروثا ومار نرساي وبار بريخا لكفاها فخرا بين الأمم والكنائس، ولكن هم ليسوا إلا نجوم ساطعة في سماء كنيسة مليئة بالنجوم.

أذكرهم كي أذكر نفسي واذكر وبتواضع جم اللجنة التي ستلتئم في التاسع من هذا الشهر (أيار) في شيكاغوا ومعها أساقفة الشطرين اننا كلنا أمام مسؤولية كنسية إنجيلية تاريخية وأخلاقية لتوحيد شطري هذه الكنيسة وأن الدخان الأبيض هو ما ننتظر.

الدخان الأبيض سيمنحنا فرصة إعادة التعليم والعلم لهذه الكنيسة التي ليست إلا كنيسة الكلمة والتعليم ܡܠܬܐ ܘ ܡܠܦܢܘܬܐ. الدخان الأبيض سيجعلنا نبني المدارس والجامعات في أي بقعة من الدنيا يتواجد فيها أبناء وبنات كنيسة المشرق، كما كان عهدها ابان ازدهارها.

ولو لم نر الدخان الأبيض أخشى أننا سنضيع فرصة تاريخية قد لا تقع مرة أخرى ومعها نضيع كلنا ونندثر