عنكاوا كوم تستذكر حلول الذكرى ال14 لاستشهاد الاب رغيد كني ورفاقه الشمامسة في الموصل، جريمة قاسية  صمت امامها مئات  الشهود  وبقي الاب الشهيد يستشعر دنو القتلة منه

زوعا اورغ/ عنكاوا كوم-سامر الياس سعيد
في الثالث من حزيران عام 2007 استفاق الموصليين وبالاخص المسيحيون القاطنين في المدينة  على خبر ماساوي انباهم باستشهاد احد الاباء الكهنة اضافة لثلاث شمامسة كانوا يرافقون الاب  رغيد كني اثناء خروجهم من الكنيسة بعد انتهاء  القداس الخاص بحلول الروح القدس  والذي كان موافقا لذلك اليوم فقد كان وقع الخبر قاسيا بعد ان تم اغتيال  اربعة من ابناء الكنيسة في وضح النهار وفي منطقة سكنية تقطنها مئات العوائل التي بقيت صامتة تنظر المشهد بصمت  وسكون غريبين دون ان  تحرك الغيرة او الشهامة احدهم للصراخ بوجه القتلة او  محاولة انقاذ هولاء الشهداء الذين كانوا كشاة تساق للذبح دون ان تنبس باي كلمة والمعروف ان  الاب الشهيد رغيد كني وازاء الحوادث التي كانت تمر بها مدينة الموصل  من غياب الاستقرار وتكرار حوادث الاستهداف التي دفع ثمنها اعداد كبيرة من مسيحيي الموصل  كان يستشعر بدنو اجله  لاسيما من خلال الحادثة التي ذكرها احد المقربين منه وهو الاب صباح كموره الذي كتب في احد مواقع التواصل الاجتماعي ساردا لقصة حقيقية  بين فيها مشاعر الاب كني قبيل ايام معدودة من تلك الحادثة اذ كتب كمورة  يقول  ان هذه القصة حقيقة اسردها ولاول مرة حدثت في سفرة كهنة ابرشية الموصل الكلدانية يوم الاثنين ٢٨ من شهر أيّار ٢٠٠٧. حينها قرر راعي ابرشية الموصل الكلدانية(المطران الشهيد فرج رحو ) مع كهنته للقيام بسفرة الى شمال العراق. وهذا التقليد كان يقام مرّتين في السنة، كان المشاركون في هذا اللقاء:
( الشهيد المطران فرج رحّو، المرحوم الخوري جبرائيل باكوس، المرحوم الخوري حنا ججيكا، الاب لوسيان جميل، المرحوم الاب يوحنا عيسى، الاب صباح كموره، الاب جليل منصور، الشهيد الاب رغيد كنّي..). انطلقنا صباحاً من مدينة الموصل متوجّهين الى مصائف دهوك الخلابة. لكن وبسبب موسم الاصطياف وزحمة الوافدين فضّلنا المكوث في منطقةٍ على مقربةٍ من مدخل مدينة دهوك، وكان المكان جميلاً يحيطه جبال وسهول وهضاب. وجاء اختيارنا هذا بسبب هدوء المنطقة أولاً، وثانياً خلوّها من المصطافين… كان الجوّ رائعاً وتجمّل جدّاً بشمس الشمال البرّاقة، ونسمة الريح العليلة ومنظر الجبال الشاهقة وواحات خضراء زاهية. التقت هذه المواصفات لتكيّف لقاءنا منتجةً يوماً مميزاً. بدأنا بترتيب المكان وتحضير المستلزمات، وتقاسمنا احاديث مختلفة تناغمت معها تراتيل مختلفة بحناجر كهنتنا. ولما حان وقت الغداء شمّر الشباب عن سواعدهم فجهّزوا طعاماً لذيذاً ومنوعّاً. صلّينا ليبارك الرب نهارنا، لقاءنا وطعامنا… وبعد ان تزوّدت أجسادنا بطاقةٍ من دسمِ المشاوي اللذيذة، جاءت فترة الاسترخاء. فقسم بقي في مكانه ليستريح قليلاً، والقسم الاخر من الكهنة قرّر ان يتسلّق الجبل الذي احاط مكاننا وكان معنا في الترحال الاب رغيد. ترجّلنا لمسافة ما ولكن توقفنا لصعوبة التسلّق فقررنا العودة الى حيث كُنّا. ولكن الاب رغيد فضّل بان يكمّل مشوار التسلّق. وهكذا ذهب بعيداً عنا واختفى عن انظارنا. ورجعنا الى حيث يتواجد بقيّة الكهنة. وحالما وصلنا، بدأ المطران الشهيد يتساءل: ” تُرى! ابونا رغيد ليس معكم ؟” اجاب أحد الكهنة: اكيد سيدنا لقد قرر التواصل، فانفصل عنا والتزم طريقاً آخر وغاب عن نظرنا. وبنبرة اليمة قال:” لماذا تركتموه لوحده؟”…

وبدأ التوتّر يظهر على محيا المطران، وكأن قلبه كان يعلمه بشيءٍ ما. واصبحنا جميعاً في حالة قلق منتظرين سلامة عودته. وهكذا وبعد ثلاثة ساعات عاد الينا ابونا رغيد وكان تَعِباً، إلا انه كان متماسكاً ومعنوياته عالية. سأله المطران فرج: لقد اقلقتنا عزيزي ابونا؟ اجاب للحال:” لقد قرّرت التسلق لوحدي لابلغ قمّة الجبل. سأله المطران ثانية: ألم يكن من الافضل لو كان بصحبتك احد الكهنة؟ أجاب ابونا رغيد، لا سيدنا اردت ان اكون لوحدي لالتقي مع الهي. جميعنا تعجّب من ذاك الامر. ثم اردف الاب الشهيد قائلاً:” لانه كان لديّ أسئلة اردت ان اعترف بها امام الله، منها ما يتعلّق بمسيرتي الكهنوتية واخرى بمستقبلي والتحدّيات التي تواجهني، لذلك اردت ان اختلي لساعات مع نفسي في حضرة ربّي من أعلى قمّة الجبل لِكَيْ اتخذ قراري الحاسم… وعند المساء رتّبنا المكان ورزمنا الامتعة وعدنا الى ديارنا والحيرة جالت في مخيلتي لتك القصة!… وكأنه من أعلى قمّة الجبل قد عاهد الاب الشهيد الله مقرراً الثبات وتحدّي الصعوبات. فكما نزل يسوع من جبل طابور بعد حادثة التجلي ليسير الى اورشليم ويُصلب هناك. هكذا فعلها خادم الله ( الاب رغيد )، اذ نزل من قمة الجبل بعد ان تجهّز بطاقةٍ من الله ليذهب متحدّياً قرار غلق الكنيسة لاقامة قداسٍ احتفاليٍ لعيد حلول الروح القدس والذي صادف الثالث من حزيران ٢٠٠٧، أي بعد سبعة أيام من السفرة. ونتيجة إصراره قتله الاشرار الغادرون رمياً بالرصاص مع رفاقه الشمامسة الشهداء الثلاثة ( وحيد حنا، بسمان يوسف، غسان عصام )، وجعلوهم ينزفون دمائهم في الشارع ومهددين من يدنو ويخلّصهم،