شبكة الاعلام العراقي : إضاءات على المسرح السرياني

زوعا اورغ / ضحى مجيد

تزخر بلاد الرافدين بحضارات شامخة حتى يومنا هذا، بابل وآشور وأكد ونبوخذ نصر وحمورابي، أسماء ربما تكون كافية للتعرف على ما كانت عليه بلادنا العظيمة وامتلاكها ناصية العلوم والفنون المختلفة، التي أسهمت لاحقا في التأثير في البنى الثقافية والفنية والأدبية لبلدان العالم.
تفيد بعض الدراسات المتخصصة بأن التأليف المسرحي من الأجناس الأدبية التي ظهرت مبكراً في العراق المعاصر، وكانت بداياته على أيدي الأدباء الكلدان السريان الآشوريين، وتنوه بأن رجال الدين المسيحيين وقدامى المعلمين في المدارس الملحقة بالكنائس كانوا من أوائل من ألفوا أو ترجموا الأعمال المسرحية الكوميدية.
لا توجد معلومات دقيقة عن تاريخ ولادة المسرح السرياني لكنَّه قبل سنوات احتُفل بمرور أكثر من 100 سنة على تأسيس المسرح السرياني الذي تشير المعلومات إلى أنّ ولادته كانت في الموصل عام 1880 حين قدّم القس حنا حبش ويوسف الحسن أول عمل مسرحي باللغة العربية بعنوان (آدم وحواء) في دير الآباء الكهنة السريان في الموصل، لكن أول عرض لمسرحية سريانية كان في مدينة ألقوش قدّمه القس استيفان كجو في 1912، وقد تناولت قصة الملكة إستر المقتبسة من الكتاب المقدس.
المسرح السرياني وكغيره من الفنون الأدبية في العراق مرّ بمنعطفات ومتغيرات كثيرة ومثيرة، ولتسليط الضوء أكثر على تاريخ المسرح السرياني وواقعه اليوم تحدثنا إلى الكاتب والمخرج والممثل لطيف نعمان سياوش وهو من مواليد كركوك 1949 وهو أحد المساهمين في الحركة المسرحية السريانية، وأحيل إلى التقاعد بصفة مخرج من وزارة الثقافة في إقليم كردستان، أجاب سياوش: إنّ تاريخ المسرح السرياني يلتقي مع تاريخ المسرح العراقي وكلاهما امتداد لطقوس الكنائس لا سيما القداس والجمعة الحزينة، وتوجد أعياد مهمة في تاريخنا، فيها طقوس مسرحية كنّا نمارسها مذ كنّا صغارا في كركوك، ونحن توارثناها عن آبائنا وأجدادنا منذ مئات السنين وربما آلاف السنين، والبحث فيها مطوّل يحتاج إلى دراسة مستفيضة، ويضيف أنّ طقوس (صومكا) أي التبشير بقدوم الصوم الذي يسبق العيد، إذ تخرج فرق مسرحية من الشباب ومعهم الجوقة ويزوقون وجوههم ويرتدون ملابس الشخصيات التي يمثلونها، ثم يطرقون الابواب ويقدمون عروضهم، ويكرمهم صاحب البيت بما يجود به ..الخ، هذه الطقوس هي بدايات الحركة المسرحية، وعلينا ألّا ننسى دعاء الاستسقاء (ئي ياران) – وترجمتها (يا أصحابي) الذي تحييه فرق مسرحية باللغة الكردية وهي تنادي ربها بالدعوات لسقوط المطر، وما إلى ذلك، ولا يفوتني أن أذكر أيضاً أن طقوس العاشوراء هي كذلك واحدة من أهم أسباب نشوء الحركة المسرحية في بلادنا سواءٌ أكانت عربية أم غير عربية، ونحن نتحدث بهذا الصدد علينا أن نقر أن الحركات التبشيرية كانت النواة الحقيقية لنشوء الحركة المسرحية العراقية، وهكذا الحال بالنسبة إلى الحكواتي الذي كان يقرأ القصص في المقاهي بشيء من التمثيل كقصة أبو زيد الهلالي، وعنترة بن شداد وخيال المآته والقرقوز، يقول سياوش: إنّ الدعم الذي تحظى به مجمل الحركات الفنية والثقافية يأتي من وزارة الثقافة ويشير إلى أن مجمل الحركة المسرحية سواء في العراق أو كردستانه تشهد فتورا غير مسبوق، موضحا أن المسرح السرياني كان وما يزال جزءاً من المسرح العراقي والكردستاني لذا يصيبه ما يصيب هذه المسارح، ويردف سياوش، أنّه على الصعيد الشخصي بذل المستحيل مع نخبة من مثقفي منطقة عنكاوا في اربيل من أجل تشكيل فرقة شمشا للتمثيل عام 2000، مشيراً إلى أنَّ الفرقة قدمت العديد من الأعمال المسرحية المحلية والعالمية، لكن للأسف الشديد وبعد انقطاع دعم وزارة الثقافة عنها بحكم الظرف الاقتصادي الاستثنائي شهدت سباتا موجعا، ونأمل ألّا يطول هذا السبات.
ويوجز سياوش: ثمة جملة أسباب أدت إلى خمول المسرح السرياني، أبرزها تشتُّت أعداد مهمة من المسرحيين السريان في أرجاء المعمورة فضلا عن انخراطهم في المسرح العربي، والكردي، إضافة إلى انصراف عدد منهم لشؤون التدريس في المعاهد والكليات ووجود أعداد مهمة اعتزلوا العمل المسرحي، فضلا عن عدم تناغم معظم المسرحيين مع بعضهم.
وفي سؤال عما اذا كانت اللغة أحد أسباب تعثّر المسرح السرياني أجاب سياوش: لم يكن اختلاف اللهجات في يوم ما سبباً لتعثّر هذا المسرح، بل زادته جمالاً وحلاوة، ولو قدر للمسرحيين أن يأتلفوا في فرقة واحدة أو فرقتين؛ فإن ذلك سيحقق نتائج رائعة، لكن للاسف يبقى هذا الطموح مجرد حلم وردي يدغدغ مخيلتنا نحن فناني المسرح السرياني، واستدرك سياوش أن الملاحظات على المسرح السرياني كثيرة وعطاءاته قليلة، لدينا مسرحيون مبدعون وطاقات جيدة، لكنها للأسف الشديد ليست متضافرة، إنما مشتتة ومبعثرة، ولعل هذا السبب بالذات أدى ويؤدي إلى ألّا يصل مسرحنا إلى ما نأمل الوصول اليه، لقد قدّم المسرح السرياني عشرات الاعمال المسرحية لكبار الكتاب العالميين والمحليين والعرب، في بغداد والموصل واربيل وسهل نينوى ودهوك، كذلك في المهجر، أما فيما يتعلق بالعقبات التي تواجه المسرح السرياني قال سياوش: عقبات المسرح السرياني تكاد تلتقي مع عقبات المسرح العراقي والكردي وأبرزها قلة الدعم المالي وربما انعدامه، فضلاً عن تدخل السياسة والأحزاب بشؤون المسرح والفن والثقافة وتسييس أجندتها وتقزيمها عندما ترتمي في أحضان السياسة، مضيفاً: إن فن المسرح عمل جماعي، يتطلب تضافر الجهود وتوحيدها، وعشق المسرح، والقراءة المستمرة، والمتابعة، وبغياب هذه الامور تصاب الحركة المسرحية بشرخ لا تحمد عقباه. ودعا سياوش المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية لاحتضان مهرجان مسرحي سرياني سنوي وبذل الجهود لكسب دعم وزارة الثقافة في الاقليم للنهوض بالحركة المسرحية.
ومن أجل معرفة أوسع بالمسرح السرياني حاورنا، ديلان خليل خوراني (فنان مسرحي ومخرج وطالب دراسات عليا – قسم الفنون المسرحية) يقول ديلان: إن وجود أنواع مختلفة من المسارح كان كافياً لتأسيس فرقة مسرحية سريانية لا سيما أن السريان أحد المكونات الأساسية لبلاد الرافدين وهم جزء من تاريخه وثقافته العريقة، وجواباً عن سؤالنا عن النتاجات المسرحية السريانية يقول ديلان: على صعيد العراق كانت هناك مسرحيات سريانية كثيرة وكانت تتميّز بموضوعاتها وثقافتها واستعمال الأزياء والاكسسوارات التي تعود إلى التاريخ السرياني واللهجات التي يتكلمون بها، ومن مميزات المسرح السرياني إحياء التراث والتقليد والتاريخ.
وفي ما يتعلق بتاريخ هذا المسرح يرى ديلان أن انبعاث المسرح كان من الكنيسة، ولكن أذا حددناه بشكل أكاديمي فانبعاثه كان في ثمانينيات القرن الماضي، أما اذا حددناه مع تأسيس الفرق المسرحية فإن أول فرقة مسرحية سريانية في مدينة اربيل أُسست رسمياً عام 2001 وهي (فرقة شمشا للتمثيل) ولكن كان هناك مجموعة من الشباب يقدمون عروضاً مسرحية سريانية تحت أسماء مختلفة، لكنهم لم يكونوا فرق مسرحية سريانية.
يضيف ديلان: حسب معرفتي الشخصية عُرض ما يقارب (80) مسرحية سريانية في مدينة اربيل، مع مجموعة من الأفلام باللغة السريانية، وشملت اتجاهات المسرح ومذاهبه كافة، التاريخية منها والدينية والرمزية وصولاً إلى العبثية، مؤكداً أن هذه المنطقة تأسست على وجود الكلدان والسريان والآشوريين فكيف لا يكون لهم مسرح وفن يعكس تاريخ هذا الشعب العريق وثقافته.
خاتماً حديثه بالقول: إن المسرح السرياني احتضن الفنون كافة ولم يقتصر على التمثيل فقط، بل كان داعماً لجميع الفنون، وقد كان مصدر انطلاق للإمكانيات الشابة بكل اختصاصات الفن.
حاولنا البحث أكثر في عالم المسرح السرياني فتوجهنا بالسؤال للفنان عماد (ممثل مسرحي سرياني) الذي قال: إن الأعمال المسرحية التي أنتجت باللغة السريانية قليلة جداً قياساً بما تقدمه الفرق المسرحية السريانية وذلك لأن معظم ما تقدمه هذه الفرق يقتصر على اللغة العربية الفصحى او العامية، وفي سؤال عن أبرز مشاركات المسرح السرياني أجاب، عماد: أبرز مشاركات المسرح السرياني كانت في مهرجانات عدة، منها مهرجان الإبداع السرياني ومهرجان اشور بانيبال ومهرجان الشاب الجامعي ومهرجان عنكاوة الثقافي ويوبيل نهاية الالفية، ومن أهم هذه الاعمال التي عرضت في هذه المهرجانات ولاقت ترحيباً واسعا اوبريت الطموحات وعرس آخر وعندما تعود الخيول والاله الأعظم وصهالا سُستا وخلولا خرايا وهالوخ يا مطرا، اما عن الموضوعات التي تناولها المسرح السرياني فيقول: أغلب الموضوعات كانت إما اجتماعية تحاكي حياة عامة الناس أو تاريخية أو دينية وكانت تعالج بعض المفاهيم البسيطة مثل الزواج، الارث، الزراعة، أما التاريخية فكانت تتناول موضوعات البقاء في أرض الآباء والأجداد، وقضية حصولهم على الأرض من السلطات العثمانية أو الدولة العراقية، أما الموضوعات الدينية فكانت تتناول حياة السيد المسيح وبعض من تلامذته، واستدرك: ليس لدينا عمل مسرحي باللغة السريانية شارك خارج العراق فقط فرقة مسرحية نعم وهي ( فرقة مسرح السريان ) قدمت عرض “ريموت كنترول” في المغرب باللغة العربي، وفرقة مسرح قره قوش قدمت مسرحية بعنوان (متى تقرع النواقيس) في لبنان وكانت باللغة العربية أيضاً.
ومن أجل الوقوف على دور الموسيقى في المسرح السرياني تحدثنا إلى روفان كوركيس شقلاوى (خريج كلية الفنون الجميلة قسم الموسيقى) فقال: إن الموسيقى في المسرح بشكل عام تعمق العمل الدرامي وتضيف له بعداً سمعياً للمرئيات المسرحية وتساهم في اكتمال شكل العرض المسرحي وتعبر عن الشخصيات وذواتها وما تشعر به في كثير من الأحيان، فالموسيقى المستخدمة في المسرح السرياني أخذت الألحان في الكثير من الأحيان الطابع القومي او الديني، فالموسيقى لغة عالمية، ومن هذا المنطلق – وإن أخذت طابع المنطقة والتراث في بعض الأحيان- الا أن الاحساس بها يكون عالمياً، فعندما نستمع لسمفونيات موزارت او بتهوفن او موسيقى الهنود الحمر او الموسيقى هندية او الصوفية يصلنا الاحساس بمعاناة الإنسان مجردا من القبلية او القومية، وبهذا المفهوم فالموسيقى في المسرح السرياني استخدمت حسب متطلبات العرض، ففي بعض الأحيان استخدمت معزوفات عالمية، وفي أعمال أخرى استخدمت موسيقى شعبية تراثية، أما بعض عروض الأوبريت كـ(أوبريت الآلام والقيامة) فاستخدمت موسيقى طقسية كنسية شرقية، فجذور الموسيقى السريانية لها استخدامات متعددة تختلف حسب طبيعة كل عرض مسرحي. واستدرك قائلاً: هناك نوع خاص من الألحان التي ترجع جذورها إلى تاريخ وادي الرافدين تستخدم مع وجود رقصة وأزياء خاصة بهذه الحضارة التي تتميّز بين جميع الحضارات.
وفي ضوء كل هذه المعطيات لا يزال حلم رواد الفن المسرحي السرياني أن تتوحّد جهود مسرحييها في فرقة واحدة تسهم في إعادة الروح للمسرح السرياني الذي كان وما يزال جزءاً مهماً من تاريخ بلاد الرافدين وحضارتها العريقة.