ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت أقدامنا، هذا ما قاله شهداء امتنا يوم إعدامهم في الثالث من شباط 1985

فواد الكنجي
بهذه العبارة هتف الشهيد (يوسف توما هرمز الزيباري) بأعلى صوته ومن ثم ردد معه رفاقه الشهيد (يوبرت بنيامين) و الشهيد (يوخنا ايشو) هاتفين ((ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت اقدامنا)) .
..  حينما دخل أمر السجن إلى إحدى زنزانات السجن الذي كان يضم عدد كبير من النزلاء السياسيين،  في سجن (أبو غريب)، السيئ الصيت،  و الذي يقع غرب بغداد بمسافة 32 كلم وسط العراق، ومعه حراسه من جلاوزة النظام البائد، وبيده قائمة بأسماء السجناء الذين سيتم إعدامهم في نهار( 3 شباط من عام 1985 )، حيث فتح القائمة واخذ يقرأ بالأسماء الذين سيتم إعدامهم في ذلك النهار المشئوم :
يوسف توما .. يوبرت بنيامين .. يوخنا ايشو …. و…. و …… !
فاقتيدوا ضمن قافلة قوامها 23 سجينا،  بعد إن أمر أزلامه بتقيد أياديهم و ربط أكتافهم بحزام إلى الخلف لعدم إثارة أية حركة سعيا للتنفس إثناء قيادهم إلى ساحة الإعدام التي أعدت في ميدان الرمي، وفي ممر خارج الزنزانة طلب من جنوده تصفيفهم في رتل ليقوم باحتساب إعداد هؤلاء الأبرياء، قال هذا الضابط  وهو ينظر إلى ورقته :
– ” من هو (يوسف توما هرمز الزيباري) …؟”
فرد الشهيد (يوسف)، بكل فخر واعتزاز وهمة عالية :-
“انا هو ذا ” .
عندها اقترب منه – هذا الجلاد الأرعن – فضربه بلكمة قوية على بطنه.. وعلى الحال وبدون تردد وعلى وجه السرعة رد (يوسف توما)  بضربة كتقية على صدر هذا الضابط الجلاد – وهو مقيد – محاولا افتراسه بكل شراسة وغضب ، فهرعوا الحراس لإنقاذ الضابط واخذوا ينهلون بالضرب واللكم من كل حدب وصوب على البطل (يوسف توما)،  وهو يحاول تملص من ضرباتهم والرد.. ولكن قيوده؛ كانت عائق له.. فلم يكن إمامه سوى صوته ليصرخ في وجوههم ليسمعهم صوت الحق والحرية دون خشية منهم.. عندها قال كلمته المأثورة وهو يصيح بأعلى صوته :
– ” ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت اقدامنا “.
وعلى أثرها ارتبك الوضع واخذ السجناء بإحداث ضوضاء والهتاف ضد سلطة النظام،  وإثنائها ألقى البطل (يوبرت بنيامين) قصيدة ثورية باللغة (الأشورية)، ولكن للأسف لم يتمكن حفظها أحدا؛ ممن كان دخل الزنزانة؛ وهم يشاهدون من خلال نافذة الباب الحديدي لتدوينها كشهادة لتاريخ،  فقصة هذه الواقعة تم تداولها اثر شهادة شاهد في الموقع ذاته وهو البطل (عبد الاحد فرنسو) احد المناضلين (الأشوريين) ممن كان معهم سجينا، والذي مكث فترة في الزنزانة ذاتها،  وكان شاهدا حيا على هذه الواقعة، وقد تحدث عن هذه الواقعة وغيرها في أكثر من لقاء ومناسبة بعد خروجه من السجن، إذ انه بعد إمضاء أربعة أشهر من بعد إعدام شهداء امتنا الأشورية ( يوسف ..ويوبرت ..ويوخنا )، ظل في هذه الزنزانة بعد إن خفف الحكم عليه نتيجة  تظاهرات واحتجاجات التي قام بتنظيمها أبناء امتنا (الأشورية) في مختلف عواصم الدول العالم وإمام الأمم المتحدة منددين بجرام النظام؛ ومطالبين بتدخل أممي لإنقاذ أبناء شعبنا ممن زجوا في سجون النظام بتهم المطالبة بالحرية وحق تقرير المصير لشعب (الأشوري) آنذاك، ونتيجة لذلك تم تخفيف الإحكام على كثير من أبناء امتنا ممن تم اعتقالهم، لأسباب ذاتها، وممن شملهم القرار (عبد الاحد فرنسو)  حيث خفف الحكم عليه إلى السجن المؤبد ونقل إلى سجن خاص في ( ابو غريب)، وأمضى خلف القضبان اثني عشر عاما لحين خروجه من السجن في 23 حزيران من عام 1996 اثر اصدر قرار بالعفو عام على جميع السجناء السياسيين، ولنتيجة تعذيبه خلال سنين المعتقل وبعد معاناة مريرة مع المرض حيث عانى من إجهاد في شرايين القلب نتيجة لما لاقه في السجن؛ فقصد إيران للمعالجة، وهناك خضع لعملية القلب وعلى إثرها توفي في 26 ايار2007 ونقل جثمانه إلى العراق.
وعن رحلة مكوثه في سجن تحدث عن هذه الواقعة إثناء إعدام الشهيد (يوسف.. ويوبرت .. ويوخنا ) وكيف كانوا يتعرضون لكافة أنواع التعذيب الجسدي والنفسي لرفضــــهم المساومة على مبادئهم القومية والوطنية الأشورية والخضوع لإرادة الدكتاتورية (الصدامية)؛ كما ورفضوا التخلي عن رفاقهم؛ ليصبحوا بحـق قدوة بين رفاقـهم في ظلــــــمات سجن (ابو غريب) .
وهكذا اقتيدوا هؤلاء الإبطال إلى ساحة الإعدام وهتاف الشهيد البطل (يوسف توما) ما أنكف من علوا.. وهدير.. ورجع صداه.. يملئ بين ممرات أقبية السجن فيعلو .. ويدنو .. والكل يصغي بما يعلو.. ورجع الصدى لصوت (يوسف توما)  وهو يردد :-
((ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت اقدامنا)) ومعه يردد (يوبرت ..ويوخنا ..) حتى تلا تردد لهذا الشعار كل من كان يقودهم جلاوزة النظام البائد لإعدامهم في ذلك النهار المشئوم-  وهذا الشعار كان متداولا بين سجناء (ابو غريب) وخاصة بين (الشيوعيين) الذين كانوا يقودونهم جلاوزة النظام إلى الإعدام –  ليقرأ (أمر السجن) قرار الإعدام الصادر من قبل مجلس قيادة الثورة المنحل في (العراق) بحق هؤلاء ألمناضلين (الأشوريين) الإبطال ليتم تنفيذه في( 3 شباط من عام 1985  ) في سجن (ابو غريب)،السيئ الصيت، حيث أعلن بقيام بتنفيذ إعدام بحق كل من ( يوسف توما) و (يوبرت بنيامين) و (يوخنا ايشو) بقرار من مجلس قيادة الثورة المنحل في 19/11/1984 وفق المادة 175/2 و 1/204 /أ وبدلالة المواد 49 , 50, 53 من ق .ع – ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة.

وإثناء قراءة هذا الأمر لم يكف الشهيد ( يوسف .. و يوبرت .. و يوخنا) من تردد وبصوت عالي ((ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت اقدامنا)) ليتم ترديد هذا الشعار لكل من كان يعاني أمره تحت أقبية سجن (ابو غريب)، وهي أخر عبارة نطقها الشهيد الخالد ( يوسف .. و روبرت .. و يوخنا) لينهوا مشوار حياتهم فداءا لقيم ومبادئ التي سعى مع رفاقهم تجسيدها في (المجتمع الأشوري) لنيل حريتهم واستقلالهم كحق للأمة (الأشورية) في الحرية وحق تقرير المصير، ووقفوا بكل شموخ  ورؤوسهم عالية  يرددون ((ستبقى رؤوسنا فوق مشانقكم حتى تسقط رؤوسكم تحت إقدامنا )) كما يقف (الثور الأشوري المجنح ) على ارض الرافدين شامخا بكل عظمته إمام الطغاة، حتى اعتلوا اعواد المشانق   ليسقطوا شهداء خالدين في تاريخ ومسيرة امتنا (الأشورية)، كما اليوم حاولوا تدمير تماثيل (الثور الأشوري المجنح) على ارض (أشور) والتي خلفت اثر سقوطهم شهداء بسبب الأوغاد رمزا للفداء والنضال والشموخ لقضية امتنا (الأشورية)، والتي أحيت في قلوب شعبنا (الأشوري) العزيمة والنضال والإصرار على مواصلة دربهم في النضال والتضحية لحين إن يرى النور الحرية والاستقلال أبناء امتنا في المستقبل مهما طالت المسيرة … وهكذا تنتهي حياة الشهيد (يوسف .. ويوبرت ..و يوخنا.. ) لتبدأ في قلوب الأمة الأشورية بحياة خالدة …..

أنها رحلة مسافرين نحو الشمس والمضحين من أجل أمتهم (الأشورية) لتنعم بالحرية والاستقلال … أنها رحلة المواجه لقوى البغي والاستبداد … حلموا بعلم أمتهم وهو يرفرف على ارض (أشور )، ولا محال سيرفرف طالما امتنا (الأشورية) لها رجال بعزيمة  ( يوسف توما) و (يوبرت بنيامين) و (يوخنا ايشو).
وهنا وفي لحظة استذكار يوم استشهاد هؤلاء الإبطال،  تستوقفني الذاكرة لذكر خطاب قائد الثورة (الكوبية) الرئيس (فيدل كاسترو) إثناء التأبين جثمان الثائر المناضل (تشي جيفارا) حين  قائلا:-
” ..إذا كنا نود أن نفصح عن ما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه، فعلينا أن نقول: دعهم يكونوا مثل ( جيفارا)..! إذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح ( جيفارا)..! إذا أردنا أنموذجا للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي أن هذا الأنموذج، من دون أي مأخذ على سلوكه ومن دون أي مأخذ على عمله، هو (تشي جيفارا)…! ”
وهذا ما نريد من الأجيال (الأشورية)  القادمة إن يكونا  بعزيمة وثورة ونضال  ( يوسف توما) و (يوبرت بنيامين) و (يوخنا ايشو)، وما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه، فعلينا أن نقول: دعهم يكونوا مثل ( جيفارا ..ويوسف.. ويوبرت.. ويوخنا .. وكل أحرار العالم .. وكل من سار ويسيروا في طريق الشهادة والنضال )….!
وإذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح ( جيفارا..و يوسف.. و يوبرت.. و يوخنا.. وكل من سار في طريق الشهادة والنضال)….!
وإذا أردنا نموذجا للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي أن هذا النموذج، من دون أي مأخذ عن سلوكه ومن دون أي مأخذ عن عمله، هو (تشي جيفارا .. و يوسف.. و يوبرت.. و يوخنا ..وكل من سار في طريق الشهادة والنضال)…! ”
نعم … لقد استشهد المناضل (يوسف.. و يوبرت.. و يوخنا) وهم يعرفون إن مقارعة الظلم والنضال هو السبيل الوحيد نحو حياة حرة كريمة لامتهم (الأشورية).
نعم لقد استشهد  ( يوسف توما) و (يوبرت بنيامين) و (يوخنا ايشو) غدراً من قبل أيدي عملاء النظام .
ويوسف .. ويوبرت .. ويوخنا، هم اليوم في عرف النضال شهداء , لأن الحياة لا توهب لهم إلا مرة واحدة ولأكنها توهب في ضمائر أبناء امتنا (الأشورية) الذين يسيرون نحو الحرية كل دقيقة وثانية, في سبيل حياة حرة كريمة وشعب يتمتع بإرادة لتحقيق حقه في تقرير المصير، وقد قال في هذا المقام (جيفار) الثائر وهو مع رفاقه يسيرون في طريق النضال:-
“… لا يهمني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقي الثوار يملئون العالم ضجيجا، كي لا ينام العالم بثقله فوق أجساد أطفال الفقراء والمعذبين، جماجم البائسين والكادحين .. يعتبرني الكثيرون مغامرا وفعلا انا مغامر لكن من طراز مختلف عن الساعين وراء نزوات فردية عابرة …”.
كما وقال: “…علمني وطني بأن دماء الشهداء هي التي ترسم حدود الوطن… فلكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن فلنا وطن يعيش فينا.. فمن سهل نقل الإنسان من وطنه و لكن من الصعب نقل وطنه منه…”.
أذن فحتمية العودة ألي المشوار النضالي الحقيقي ومبادئه السامية والتي خلدها لنا الخالدون بدماء الشهداء التي أريقت على مذبح الحرية لا مفر منها لأنها هي الحقيقية المتجه صوب شمس الحرية لنيل حقوقنا، ومن أجل الإقرار بالوجود القومي (الآشوري)، ولا مناص من طريق الشهادة كونه دليل الطريق  نحو الوفاء والضبط والالتزام والأيمان المطلق بثوابت القضية امتنا (الأشورية) .
فهؤلاء الشهداء (الأشوريون) سيبقون رمزا لعنوان الحرية والنضال في مسيرة امتنا (الأشورية)، فهم نماذج لنضال القومي؛ لم تهزهم سطوة النظام وبطشه وقسوة المحققين؛ ولم يتراجعوا؛ بل قادوا المسيرة بكل ثبات وحنكة واقتدار في مواجهة كل أساليب القمع والتنكيل التي مارسها النظم البائدة ضد أبناء الشعب (الأشوري) وقد أدركوا  منذ البداية أن استمرار مسيرة  التضحية والصمود رهن بالحفاظ على استقلالية قراراتهم في الحرية وحق تقرير المصير للأمة (الأشورية) على ارض الإباء والأجداد في وادي الرافدين، والذين كان إيمانهم بمسيرة ونضال الأمة من حق كل أبناء امتنا،   ومن هنا فان نضالهم جاء امتداد لمسيرة كل المناضلون الذين استشهدوا في سبيل إعلان الحرية وحق تقرير المصير لامتنا (الأشورية)، بكونه هو المحور الأساسي لقضية الأمة وبوتقة لتوحيد الأمة وعامل قوة  لكل أبناء ومناضلي الأمة.
وأننا إن  نستذكر أرواح هؤلاء الشهداء فإننا نؤكد بأنهم وان رحلوا عنا بأجسادهم فهم باقون بأرواحهم في ضمير الأمة ووجدانها وقلوبنا وعقولنا، وسيبقون الضمير الحي لكل أبناء شعبنا (الأشورية) في مواصلة المسيرة والنضال لتحقيق حلم شعبنا في العودة وتقرير المصير وإقامة حكمهم الذاتي.
ما أحوجنا اليوم ونحن نستذكر استشهاد هؤلاء الإبطال؛ إلى استحضار المبادئ والمنطلقات التي آمنوا وناضلوا واستشهدوا من اجلها, وإنها لفرصة للتوقف أمام الوضع (الأشوري) الراهن وما وصلت إليه الأمور من الاستهداف المباشر من قبل الإرهابيين الذين اجبروا أبناء امتنا تحت قوة السلاح بان يهجروا من أراضيهم  في (العراق) و(سوريا) في ظل ظروف دولية لم تتحرك لإنقاذ شعبنا الذي رزح و تشتت في مخيمات النزوح والهجرة هنا وهناك؛ لدرجة التي أصبح النزوح والهجرة فعل  كإرثي يهدد مصير امتنا في الوطن بعد إن تكالب الأعداء والشوفينيين والاقصائيين لحقنا في الحرية وتقرير المصير على ارض الوطن، والذي قدم شعبنا – ولا يزال – في سبيلها يقدم أغلى ما يملك وهي أرواح أبنائنا، ومع كل الظروف الدولية والإقليمية التي اليوم لا تبالي بما ألت إلية أوضاع امتنا لدرجة التي وصفت جرائم الاستهداف إلى الإبادة الجماعية، إلا إن نضال الأبناء لابد ان يستمر وسيستمر بالمواصلة مهما كان الثمن ولم ولن تستطع هذه الظروف القاهرة من نيل من عزيمتهم و مسيرة نضالهم؛  ولم ينحرف اتجاههم في حقهم في تقرير المصير بكل إرهاصات التي يتعرض وتتعرض قضية امتنا …!
ومع ذلك فان شعبنا مازال في تطلعاته القومية ينظر إلى المستقبل بعين بصيرة كلها أمل وطموح لتحقيق حلم الشعب (الأشوري) في الحرة والاستقلال وإدارة سلطتهم على ارض الإباء والأجداد في وادي الرافدين، وسنمضي قدما ملتزمين بخط المناضلين بجدية ومسئولية من اجل إنقاذ شعبنا وأرضنا من براثن الإرهابيين، واضعين كل أمنياتنا عبر هذه النافذة في مضمار العطاء الملتزم بالكلمة الصادقة المعطاء في النضال.. والتحرير.. والاستقلال.. بكونها هي الحقيقة الجلية والتعبير الأوفى عن ضمير امتنا (الأشورية) وتطلعاتها إلى فجر الخلاص من الظلم والاضطهاد والاستبداد.
ومن هنا فالواجب القومي والوطني يتحتم ان نصطف في مسيرة النضال  الملتزم ممن سبقنا في مضماره مواقع مناضلين عبر مسيرتهم التاريخية في الاستبسال والعطاء والشهادة وهو ما سيمهد لنا وسنتمكن لا محال من دحر كل الظلم والظالمين الذين تجبروا علينا في غفلة من الزمن .
فعبر مسيرة نضال شهدائنا الذين قاوموا الإقصاء والتسلط أينما ظهر؛ وناضلوا لتعرية الأفكار والممارسات المستبدة؛ ليؤكدوا بأن كل مؤسسات وميادين تمثل منصات نضالية متاحة لكل المناضلين من أبناء شعبنا من اجل إنقاذ شعبهم والمساهمة الفاعلة في بلورة مواقف الأمة في الاتجاه الصحيح نحو فجر الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة؛ ورفد كل ما من شأنه تحقيق الحرية والاستقلال وتنمية قدراتنا البشرية والوطنية وبنائه وفق إرادة الشعب (الأشوري) وتطلعاته.
أن نظام القهر الذي قادته كل النظم الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم البلاد وممارسات الإرهابية التي استهدفت امتنا (قوميا) و(دينيا) منذ قرون، والذي قام وفق نظرية الإقصاء.. والتهميش.. والقتل.. والتهجير.. والخطف.. والتهديد.. لقتل روح النضال من نفوس أبناء شعبنا الأشوري،  ولكن نسوا بان هذه الأساليب المبنية على الكذب والتضليل والتشويه المتعمد مع سبق الإصرار لاستهداف مسيرة النضال الوطني المشرف الذي خاضه شعبنا (الأشوري) وقدم فيه أروع البطولات والمآثر، وإن هدفه من ذلك هو واضح لكل ذي عقل وبصيرة، بكونه يهدف إلى قلب الحقائق وتزويرها وصولا إلى هدفه الإجرامي في إقصاء حقوق واستحقاقات امتنا (الأشورية) ألأصيلة في مجتمعنا (العراقي) وحذف سجلاته الوطنية مشرفة من التاريخ هذا الوطن؛ وذلك خدمة لتوجهاتهم الطائفية إلاقصائية والتي تلزم بفرض ثقافة واحدة تعجز عن التعبير عن حقيقة تاريخ وحضارة امتنا (الأشوري) ودور الذي قاده (الأشوريين) المسيحيين في وجدان وتطلعات هذا الوطن  .
وأننا في هذا اليوم الذي نقف في محطة تاريخية خالدة سطرها الشهداء الثلاث  ( يوسف توما) و (يوبرت بنيامين) و (يوخنا ايشو)، ما هي إلا فرصة أخرى نقف من أجل بلورة المشروع (الأشوري) الوطني الجديد في حق التقرير المصير والحرية، يطوي صفحة الماضي وما فيها من أخطاء، لبدأ حقبة جديدة في صفحة جديدة من تاريخ امتنا (الأشورية) في ظل أوضاع خطيرة تشهدها منطقتنا بتنامي الإرهاب والصراعات الدينية والمذهبية والطائفية واشتداد الصراعات الدولية واستقطابها في المنطقة، كل ذلك يجعلنا إن نتحرك بوعي وأكثر جراءة كما ناضل شهدائنا دون خشية من الأعداء، رغم إننا ندرك اليوم بلا شك ما تعاني امتنا من فراغ قيادي سياسيا ودينيا والناتج عن عملية التجريف والأخطاء القاسية التي تعرضت لها امتنا (الأشورية) منذ عام 1915 وما تلاها؛ وفشلها بعد سقوط الدكتاتورية في 2003  في تصدير قيادة تتحدث باسمها وتحمل لواءها وتجمع الناس حولها، بالإضافة إلى السقوط المبكر في فخ الاستقطاب السياسي الحاد الذي استدعى كل موروثات العشائرية و بين تيارات الطائفية والمذهبية، والذي أذكى نيرانه تصدر المتطرفين والمودلجين من كل التيارات الفكرية، وأدت محصلة تلك العوامل كلها، من جهة، إلى عودة النخبة السياسية القديمة المفلسة مجددا إلى صدارة المشهد، بكل آفاتها وأمراضها المزمنة، وهي التي طالما ألفت الشقاق وخاصمت الوفاق، وكانت جزءا أساسيا من المشكلة طوال مائة عام الماضية، وبالتالي، لن تكون اليوم جزءا من الحل لواقع الأشوري المعاصر، بكون  المشهد السياسي  الأشوري بنمطه التقليدي؛ والتي مازالت فصول الصراع بين طرفيها تتوالى في صراعات عقيمة وصلت إلى حد الهيستريا أمنيا وإعلاميا، تهدف إلى استئصال الحراك سياسيا واجتماعيا، بينما يصر الطرف الأخر على المقاومة عبر استنزاف الأولى، مستخدمة نفس الأساليب وبالطريقة التي تخرج عن إطار التوافق، لتنزلق نحو ممارسة الإقصاء، ما يمنح للأخر العدو المتربص بأمتنا (الأشورية) إلى غطاء سياسيا للقمع والبطش الذي بدوره يغذي الهجرة والنزيف إلى الشتات عبر ممارسات خاطئة متتالية بين الإطراف السياسية الأشورية – الأشورية  والتي باتت عقبة لأداء سياسة رشيدة تنقذ الأمة من واقعها الأليم، ولن ولم تنتهي هذه الصراعات بين فصائل امتنا السياسية إلا بظهور بديل جديد على يد جيل جديد، خلاف النخبة السياسية القديمة البالية التي أشهرت إفلاسها الكامل فكريا وسياسيا وأخلاقيا، يطرح رؤية توافقية، ويسعى إلى تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والاستقطاب السياسية، ويفرض نفسه على الساحة، عبر بناء كتلة وطنية قومية، تحصن  نفسها خلف مبادئ الحرية والتعددية والديمقراطية وحق تقرير المصير، وتعمل على الانتشار في قواعد تنظيمية شعبية، تنطلق نحو تحقيق أهداف امتنا والتي سقط من اجلها ملايين الشهداء؛  كحل لتخلص من كل الركام السياسي والحطام الاجتماعي الذي خلفته العقود العجاف الماضية، لكنه لن يتأخر كثيرا، فالمشهد القديم صار في ذمة التاريخ، والجديد قادم في الطريق لا محال .
ولما كان إيماننا بأن النضال الثوري والجماهيري، هو الطريق الوحيد لاسترجاع الأرض والسيادة والحقوق المغتصبة في ارض الإباء والأجداد في وادي الرافدين من براثن السلطات الدكتاتورية، وانطلاقا من مسيرة ألمناضلي الثوريين طيلة مائة عام من الإقصاء والتهميش والهجرة والنزوح و تعبيرا عن رفض امتنا (الأشورية) واستياءه واستنكاره لواقع المرير التي تعيشه، أصبح الاعتقاد راسخا لدى أبناء شعبنا (الأشوري)  بوجوب مواصلة طريق الحرية عبر مراحلها النضالية المتكاملة والمستمرة من خلال التعبئة والتوعية والإعداد والاستعداد لنيل حقوقها والخوض معركة الاستحقاق القومي سواء بالسبل السياسية أو القانون أو عبر المحافل الدولية وهيئاتها ومنظماتها وبرلماناتها،  و إن وصلت بنا الأمور إلى طريق مسدود، لا بدا من اللجوء إلى حمل السلاح مرة ثانية كأخر حل لنخوض معارك الشرف والتحرير والنصر بكل وسائل المتاحة لان الحرية لا تأخذ إلا بالقوة وهو طريق الذي سار علية كل أحرار العالم وشعوبها المتطلعة نحو الحرية والاستقلال، ولنا في ذلك  تجارب ليس بغريبة عن واقع امتنا في معارك التي خاضها شعبنا الأشوري لفترة ما بين عام 1914 و1918 وعام 1933 لإقامة الدولة (الأشورية) المستقلة.
إن التجارب الطويلة التي خاضها شعبنا (الأشوري) في المنطقة  مع سياسات الدول الغاشمة والدكتاتورية والعنصرية والمتمثلة في الحرمان والتفقير والإهانة والإذلال ومحاولة طمس الهوية القومية لامتنا (الأشورية) وعدم الاعتراف بقضيتهم العادلة؛ ولأبسط حقوقه الإنسانية المشروعة كمنعه من التعلم باللغة الأم (الأشورية) وتغيير أسماء المدن والقرى والأحياء (الأشورية)، فضلا عن تنفيذ مشاريع استيطانية وبناء مستوطنات وجلب المستوطنين وإعطائهم امتيازات السكن والوظيفة والرفاهية والخدمات المتنوعة في قرى ومناطق (الأشوريين) في (سهل نينوى) على حساب شعبنا؛ وفي المقابل السعي كل ما اتى لهم من وسائل القمع إلى تهجيرهم من أراضيهم وممارسة الإبادة الجماعية بحقهم ونهب ثروات شعبنا وخيراته وحرمانهم منها و مصادرة الأراضي الزراعية بحجة تنفيذ مشاريع حكومية وغيرها من المشاريع العنصرية التي قام النظام البائد بتنفيذها بغية تجريف أوسع مساحة التي يقطنها (الأشوريين)، وقد استمرت هذه السياسة قائمة حتى بعد تغير النظام ومجيء حكومات دعت الديمقراطية ولكن الوقائع أثبتت عكس ذلك،  إن لم تكن هذه الحكومات والتي تعاقبت في إدارة شؤون الدولة العراقية أكثر إقصاءا، وما حدث من نزوح واستهداف وتهجير (الأشوريين) المسيحيين من (العراق) تجاوز إضعاف ما قامت به السلطات السابقة التي حكمت العراق.
ولقد أصبح جليا للقاصي والداني، حجم التهميش والإقصاء الذي يمارس اليوم ضد أبنائنا ليس في مدن العراق فحسب بل بتشريع وإصدار قوانين لا تقيم أية اعتبار لوجودنا وحقوقنا كمكون أصيل  من مكونات الشعب العراقي له خصوصية قومية ودينية.
ومن هنا وبما أن وجودنا في هذا الوطن صار بلا عنوان نعيش حاضرا متناقضا ومسبباته ليست بخافية على أحد؛ لذا فعلى كل أبناء شعبنا (الأشوري) بصورة عامه ونخب السياسة والحزبية والدينية بصورة خاصة؛ اللجوء نحو إعادة تنظيم أنفسهم والخروج من سباتهم والكف عن المراوغة والترويح والمجاملة السياسية المتملقة لملء الجيوب والمقاعد ولتطغي فلسفة الخضوع على المبادئ والقيم وثقافة وتربية والتنصل من مسؤوليات والتي أودت بالقضية (الآشورية) ألي ما آلت أليه وما ستؤول ليه مستقبلا،  وهذا بدوره خلق تراجعا خطيرا عن اتخاذ قرارات  مهمة حيث لم يجرؤ أحدا في زمن القرار- ومنطقتنا الشرقية اليوم تعج بالتغيرات  والمتغيرات – على اتخاذها، فلم يعد لهذا السلوك من عذرا بقدر ما يوصف  بأنه تخاذل بل التخاذل بعينه،  والذي افرز في محصلته الأخيرة أمور كثيرة نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر،   حالة من الإحباط الذي خيم على الشارع (الآشوري) المحبط أصلا في ظل ما ألت إليه أوضاعه في الوطن من استهداف وتهجير وخطف وقتل – وأمر أخر نذكره –  وهو عدم الاكتراث بدماء شهدائنا  وتضحياتهم في سبيل إعلاء شان امتنا (الأشورية) .
ومن هنا فان دماء الشهداء التي سالت على ساحة الحرية لنيل امتنا الحرية والاستقلال يتطلب منا كإخوة وأبناء لهؤلاء  الخالدين إن نعيد التحليل لمجريات الوقائع على الأرض باعتماد الرؤية الموضوعية مجردين من الازدواجية والعاطفة لإيجاد مشروع قومي وطني للخروج بقرار يرسم خارطة الطريق بكل شفافية ووضوح كبصيرة من ساروا على درب الشهادة؛ لتعود ثقة الشعب (الأشوري) بمستقبله المشرق، لدعم أبنائهم ليسيروا نحو طريق الحرية ولاستقلال وإيمانهم مطلق بثوابت القضية أمتهم الأشورية وبدماء شهدائنا التي سالت على ارض الوطن من اجل  الحرية وحق تقرير المصير.