روميو يوسف في القلب والذاكرة ممثل مبدع تخرج من الدورة الأولى لأكاديمية الفنون،بغداد

زوعا اورغ/ جريدة الزمان الدولية، بغداد، كافي لازم

عندما انتمينا ونحن طلبة في أكاديمية الفنون بداية السبعينات إلى فرقة المسرح الفني الحديث تبينت لنا الحقيقة بكل وضوح أن هذه الفرقة فعلا بنيت على يد اعضائها بجهدهم الذاتي من خلال التفاني والإخلاص والذي جمعهم الفكر والفن مع زوال الفردية والايمان بالعمل الجماعي وهو سر ابداعهم وتألقهم. تراهم كخلية نحل والكل يعمل حسب واجبه وكأنه مؤسسة كبرى أو معهد فني كبير.الإداريون في عملهم والفنيون كذلك وهناك من يتدربوا على الصوت والالقاء والمبارزة بالسيف لاسيما أنها كانت مسرحية (هاملت عربيا) والتي تتطلب الكثير من التمارين.

هناك فنان قدير له خصوصيته من حيث الالتزام ونكران الذات والعمل الدؤوب خريج الدورة الأولى لأكاديمية الفنون 1964 الا وهو الفنان القدير روميو يوسف المستعد دائما لإنجاز اي مهمة يكلف بها إن كان ممثلا أو مخرجا أو مديرا للمسرح أو الأمور الفنية الأخرى (الإنارة ، الصوت ،الموسيقى،الانتاج) فضلا عن شخصيته الاريحية المؤثرة الجذابة ونحن كشباب جدد التحقنا بالفرقة دائما يؤكد لنا اسلوب عمل الفرقة وينصحنا بالانضباط والالتزام واحترام الرواد ومحاولة التعلم من تجربتهم الكبيرة .لم اراه يوماً ببدلة رسمية إذ كان دائما يرتدي حذاءا رياضيا كأنه ذاهبا للحرب.جاءنا يوماً وقال (ياشباب سنفتح ورشة خاصة للتدريب على استعمال السيف قبل موعد البروفة) انتظمنا جميعا بهذه الدورة التي قادها بنجاح .كان يقوم بدور (لايرتس) الذي يتطلب المبارزة في عدة مشاهد .في يوم ما احتاج المخرج سامي عبد الحميد عازفا (نقارا على الطبل) في إحدى المشاهد وكان محتارا ومحرجا انبرى روميو يوسف وقال(انا احسن نقار )وادهشنا بنقره المضبوط على الطبل ولكنه تلفلف باليشماغ ولم يبرز سوى عينيه لانه يمثل دورا اخر مهما في المسرحية وادى المهمة بنجاح.

ولد الفنان الكبير روميو يوسف في 28/8/1942 وسجل في الكنيسة في هذا التاريخ ولكنة سجل في دفتر النفوس 1/7 ككل العراقيين تلك الفتره وعندما اصبح يافعا كان يقلد ابطال افلام هوليود في طرزان وفلاش كوردن والكابوي مع اقرانه في الشارع ولم يخطر بباله انه سيصبح يوما ما فنانا يشار اليه بالبنان وربما بشكل لا ارادي حيث ان والده يعزف على آلة (الماندولين) والوالدة عضوة في كورس الكنيسة..واثناء دراسته في ثانوية التجارة عام 1957 قرأ إعلان صادر من الادارة ان من لديه رغبة في التمثيل فليسجل اسمه وكان من يشرف على فرقته طلبة معهد الفنون آنذاك وهم عمونائيل رسام وفوزي الصفار وضياء البياتي وقد نصحوه بأن يكون فنانآ بعد ان رأوا موهبته.. على اية حال.. كان يعتبر ذلك للمتعة ليس إلا … وعندما اتم الدراسة الاعدادية. ذهب للتقديم لكلية التجارة .. الا انه كان متأخر كثيرا فقد ذهب الموظف الذي كان يجمع الطلبات.. وبقي حائرا.. الا ان موظفة مهذبة قالت له.. كيف حالك باللغة الانكليزية قال لها. جيده.. قالت اذن لم يبقى غير معهد اللغات العالي. فقدم اوراقه وتم قبولة بهذا المعهد..وانسجم في هذه الاجواء الجديدة وكان دائم النكتة والحركات المضحكة امام زملائه وزميلاته وهم فرحون. ويوما ما قال له زميله محمد سعيد هادي( انت فنان موهوب لماذا لا تقدم لأكاديمية الفنون وهي افتتاح جديد الان) ( وكانت لديه معلومات جيده كونه يشتغل اداريا في الاذاعة) ولكن غدا خميس وهو آخر يوم للتقديم الا ان روميو انتظر الخيوط الاولى لصباح الخميس وانطلق مبكرا الى اعدادية التجارة طلبا للوثيقة واستقبله المدير وقال له تستحق هذه الوثيقة روميو انت موهوب.. ولكن عليك ان تسرع قبل انتهاء الدوام ذهب مسرعا الى دار المعارف وختم الوثيقة من عدة غرف متلاطمة مع بعضها بطريقة ابواب بارات افلام الكابوي..

تقديم الوثائق

واخيرا وقبيل انتهاء الدوام حيث ان الخميس (نصف دوام) ذهب الى مبنى الاكاديمية الكائن في بيت (بهجت العطية) مدير الامن العام في العهد الملكي وكان بيتا زاخرا بالحدائق الغناء والكائن في منطقة الصليخ.. تقدم بالوثيقة الى رجل سمين جالسا على كرسي ومنضدة وقال له.. هذه فقط الوثيقة وليس لدي المكملات الاخرى من عدم محكومية وغيرها… لكنة قال هل ختمتها من المعارف.. قال نعم…. قال الموظف هذا يكفي والسبت اكمل المعاملة. فرح روميو كثيرا وهو ينتظر بلهفة يوم الاختبار . عندما حان موعد الاختبار رأى وجوه معروفة في الوسط الفني واغلبهم خريجو معهد الفنون كراسم الجميلي. وعمو نؤيل رسام. ومهدي الصفار وضياء البياتي وبسام الوردي وجعفر السعدي واخرين.. وهنا اصابه اليأس بعدم مجارات هؤلاء الذين يمتلكون الخبرة. دخل روميو الاختبار غير خائف وغير متردد. وكان يتصرف بعفوية مطلقة وكانت اللجنة متكونة من ابراهيم جلال. وحكمت لبيب.. وماجد كامل. وجعفر علي.. وسأله جعفر سؤالا غريبا.. ما الفرق بين افلام هتشكوك وفلم سعيد افندي اجاب بكل عفوية وبراءة وبدون ان يحسب اي حساب. قال.. اوه فرق بين السماء والارض (هيتشكوك في هوليود وهذا سعيد افندي فيلم بسيط في بغداد) وقد ضحكوا كثيرا وكادوا ان يقعوا في الارض.. لهذه الاجابة المثيرة. لكنهم استحسنوا هذه الاجابة لأنها تلقائية وبدون خوف. حقيقة خرج روميو من الاختبار وهو غير مطمئن بعد هذه المقابلة….. وعندما اُعلنت قائمة القبول كان منزويا في زاوية بعيده لكنة تقرب الى القائمه وقف منذهلا بان اسمة السادس.. وكان الاول عمو ويلية ضياء البياتي ومهدي الصفار ثم راسم ثم روميو… بدأت الدوره الاولى من 14طالب 11طالب و3 طالبات انسحبتا اثنتان وبقيت واحده اسمها امل ضياء الدين وكانت اكاديمية الفنون تدرس فقط سينما وبعد ذلك استحدث المسرح… اهم المدرسين حكمت لبيب،ماجد كامل، علي جواد الطاهر (كيف تكتب قصه وتحولها الى سيناريو) اسعد عبد الرزاق (المسرح العربي) جعفر علي (تمثيل نظري وعملي).. كانت دورة متميزة.. بحيث وجه لهم الاستاذ اسعد عبد الرزاق دعوة الى فرقة 14 تموز التي كان يرأسها وعمل وتعلم الكثير في تقديم البرامج باللغة الفصحى كذلك كان لهم اسبوعيا تمثيلية وكان يحصل على مصروف جيد. كما تعرف على الكثير بما يحدث داخل الاستديو وكذلك كان يساعد المصورين في سحب الكاميرا لانها كانت كبيرة و ثقيلة جدا وتعرف على ابو سعاد ومحمد خطار.. كذلك بهجت العاني منفذ الصوت

استمرت الدراسة في اكاديمية الفنون الى ان جاءت 8 شباط كانت فترة عصيبة تم الغاء قسم السينما وتحولت الى قسم المسرح والسبب عدم توفر الاشرطة التي كانت مصلحة السينما والمسرح التي تزودهم بها والتي يرأسها الراحل يوسف العاني.. وحل الراحل جاسم العبودي عميدا بدلا عن الراحل خالد الرحال. وكانت الاجواء متوتره جدا ونقلت الاكاديمية الى مبنى جديد قرب ملعب الكشافة.. وفي نهايه عام 1963 تبدلت الاجواء وحين اطلق سراح الراحل خليل شوقي من السجن عمل مسلسل اجتماعي اسمه (القفص الذهبي) وقد ضم مجموعة جيده من الفنانين. خليل شوقي .. كريم عواد.. فوزية عارف.. سامي السراج.. كاظم الزيدي. روميو يوسف.. مي شوقي.. واخرون. وقد اطلقوا على انفسهم (المسرح الفني) تيمنا بمسرح موسكو الفني الذي اسسه ابو التمثيل (ستانسلافسكي) وقد قدموا اعمالا كثيرة…. تخرج روميو يوسف عام 1964 وكانت الاكاديمية تمنح دبلوم عالي وهي الدوره الاولى.. ولكن جاء قرار من الحكومة بأنهم لابد ان يدخلوا الخدمة العسكرية في مدرسة الضباط الاحتياط ولكن الفرقة القومية كانت تبحث عن ممثلين وقد اشترك في مسرحية تاجر البندقيه اخراج الراحل سامي عبد الحميد. وكان على روميو ان يطيل شعر رأسه لما يتطلبة الدور وله اجازة رسمية في ذلك غير ان هذا الحدث تزامن مع دخوله الجيش مما اثار استياء الضابط المدرب الذي كان يردد بعصبية ماسكآ بشعره (اشوكت تخلص المسرحية). وكانت مديرية التوجية المعنوي في وزارة الدفاع تقدم في الاذاعة برنامج (ركن القوات المسلحة) وقد انتدبت هذه الوجبة من الفنانين للعمل في البرنامج وقد استغلوا بناية متروكة خلف الاذاعة و اسسوا اذاعة مستقلة وبهمة ونشاط كانوا يكتبون ويخرجون وفعلوا كل شيء مما اخذت الغيره في اذاعة بغداد تفعل فعلها.. لكنها لاحيل لها حيث ان القرار من جهات عليا بتأسيس اذاعة القوات المسلحة وقدموا البرامج المتنوعه كذلك التمثليات حيث استقطبت جميع الجنود الموهوبين من بينهم المخرج التلفزيوني الراحل علي الانصاري الذي جلب بيده كاسيت مهم جدا والذي احدث قفزة نوعيه في تاريخ المطرب صاحب الكاسيت.. وتوسل ان يبث بدلا عن وقت بث اغاني ام كلثوم.. هذا الكاسيت لأغنية (الهدل) لياس خضر.. وحال الانتهاء من بثها لم تتوقف الاتصالات من الجنود والمستمعين بأعادتها وانتشرت كالنار في الهشيم في البيوت و المحلات والاسواق والمقاهي.. ومن المفارقات الاخرى كان روميو يوسف مذيعا على الهواء ومن بين الاخبار اذاع خبر وفاة المطربة المشهورة (عفيفة اسكندر) تبين انه خبر كاذب وقد اتصلت حالا قائلة (ليش عيني موتوني) اعتذروا منها وعملوا لها لقاءا خاصا.. كما عملوا مسرحية تمثيل صامت في المسرح العسكري امام الضباط والجنود لكن احد الضباط الكبار اوقف العمل وقال (اگول. راح تبقى المسرحية خنساوي) وقدموا اول تمثيلية سهرة اسمها (الغائب).. بعدها تسرحت هذه الوجبة من الجيش الا الفنان راسم الجميلي الذي طلب التمديد وبقى حتى اصبح برتبة رائد..

الدورة الاولى

كانت الدورة الاولى في اكاديمية الفنون تتألف من عمانوئيل رسام /بسام الوردي/عادل داوود/ مهدي الصفار/ امل ضياء الدين/روميو يوسف/راسم الجميلي/قحطان محمد احمد/فاروق اوهان/ نجيب عربو/ضياء البياتي/تخرجت عام 1964..توظف روميو يوسف في برنامج الامم المتحدة للتنمية لكن عينة غير بعيده عن الوسط الفني وبالاخص فرقة المسرح الفني لذلك قدم استقالته والتحق بزملائه بالفرقة وكانت الجمعية البغدادية الكائنة في الصليخ التي اسسها نخبة من المثقفين وابرزهم جبرا ابراهيم جبرا وسامي عبد الحميد نشطه باستقبال الفرق المسرحية وقدمت مسرحية (مدرسة القشبة) تاليف رتشارد شريدن واخراج سامي عبدالحميد ومسرحية (البستوگه) اخراج سامي عبدالحميد ومسرحيات اخرى وبعد عودة الراحل يوسف العاني من الخارج عام 1967 اتفق مع الراحل ابراهيم جلال والراحل خليل شوقي لدمج الفرقتين واصبحتا تحت اسم (فرقة المسرح الفني الحديث) وقدموا مسرحية (صوره جديده) ثم مسرحية (المفتاح)عام 1968وقد لاقت نجاح منقطع النظير.. وقد افترش الجمهور الممرات كان ينظر بشغف. وصولا الى خشبة المسرح وقدمت بطريقة المسرح البرشتي. وهنا استأجر مسرح بغداد من رجل كان شغوفا في المسرح اسمة طارق الغزالي ،حاولت الفرقة مرارا ان تشتري المسرح الا ان سعره كان غاليا.. قدمت الفرقة مسرحية تموز يقرع الناقوس وقد ضمت اربعون ممثلا لذلك قدمت في المسرح القومي..واستمرت العروض الناجحة الى ان جاءت مسرحية النخلة والجيران التي ضربت رقما قياسيا في حضور الجمهور وعرضت ايضا في المسرح القومي نظرا لتوفر المسرح الدوار كذلك المسرح الاوسع وديكور كاظم حيدر.

استمر حضور ونشاط روميو يوسف في الفرقة بين ممثل ومخرج وفني واداري وفي الانتاج ايضا منذ ستينات القرن الماضي وكانت اشهر ادواره في التلفزيون هي شخصية صاحب البار في تمثيلة (عبود يغني) اعداد الكاتب والمخرج عبدالوهاب الدايني… الى ان حل عام 1974 في آخر عمل له في مسرحية (الجومة) التي منعت رغم جهوزيتها للعرض بعدها استطاع الحصول على زمالة من دولة رومانيا وقد باع الكثير من مقتنيات بيته وحتى مكتبته ليغطي تكاليف السفر لدراسة الدكتوراه في بوخارست.. والتقى هناك بالاستاذه المشرفة على دراسته (ايليانا ريبرلوجا) والتي اشادت بالمسرح العراقي حيث شاهدت مسرحية (الخان) ومسرحية گلگامش في المسرح الصيفي في بابل وكان من بين زملاءه : صلاح القصب، عباس علي جعفر، عبد المرسل الزيدي.. وبأشراف نفس الاستاذه.. عمل الكثير واسس اذاعة في كندا.واشتغل مسرحا للآشورين.. وهو الان متقاعد يعيش في دعة وسلام مع عائلتة وقد اكتسب الجنسيتين الكندية والرومانية

جريدة الزمان الدولية، بغداد، كافي لازم