رحلة استكشافية في مناطق القيارة

د. عامر عبدالله الجميلي

رحلة اليوم لاستكشاف وتحقيق  مواطن الآثار والحضارة / التلول الأثرية ضمن قرى قاطع قبيلة السادة السبعاويين على الضفة الشرقية لنهر دجلة ، العائدة لناحية القيارة جنوب شرقي الموصل :

1 – كورة و رستاق حديثة الموصل ( حذتا ܚܕܬܐ ) بالسريانية ، التي تتمثل اليوم بمواقع ( تل مرقد السلطان عبدالله / عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب / دير برقانا – دير الطين – ) ، ( خرائب النگار و وادي السوگ اچهفة احديثة )  ومطابقتها من قبلي مع  المسجد الجامع لحديثة الموصل وسوقها و فرضتها – مرفأها ، على التوالي  ) واكتشافي لما يعرف لدى سكان القرية ب (  البيعة ) – كنيسة –  ومطابقتي لها مع ( دير مرگانا ) في قرية السلطان عبدالله قبالة جبل قره چور / مخمور – زيناي ܙܝܢܐܝ في المصادر السريانية ) ، واكتشافي لما يعرف ب ( بيعة يوسف ) – كنيسة –  في ذات القرية ، حيث ذكر قدامة بن جعفر في كتابه الخراج وصنعة الكتابة أن فيها بيعتان وأبيات النصارى ،  وجميعها لأتباع كنيسة المشرق النسطورية السريانية )

2 –   قرية باطرطر ܒܛܪܛܪ ( قرية مطنطر – ادويزات فوقاني /  تل شبدخي / تل گنصه  )

1 – حديثة الموصل : نشأت حديثة الموصل في الحقب السابقة للفتوحات الإسلامية ، حيث كانت مرعيثاً أو اسقفية / أبرشية مسيحية تتبع الكنيسة النسطورية ، وكانت هذه الإدارة الدينية تتبع مطرانية حدياب بالقرب من الزاب الأسفل جنوب غربي أربيل ، ثم ازدهرت في العصور الإسلامية المتقدمة ، وذلك حينما قام بعض ولاة الموصل الاوائل بتمصيرها ، بعد أن أسكنوا فيها بعضاً من قبائل الأزد و ربيعة . حيث عدت معسكراً للجند ومنطلقاً الفتوحات الإسلامية إلى أذربيجان وإرمينيا ، و ازدهرت في العصرين الأموي والعباسي ، حيث كانت محجاً للخلفاء العباسيين عند قدومهم من بغداد واجتيازهم بها قبل وصولهم للموصل ، على الرغم من أن احداثاً عصفت بها في العصر العباسي الاول والفترة الحمدانية حيث اتخذها خوارج تلك الفترة منها دار هجرة لهم بعد انتشار مذهبهم فيها  ، وسكتت المصادر التاريخية عن إيراد اخبار لها بعد سقوط الخلافة العباسية ببغداد ، اي في حقبة الإيلخانيين المغول وما تلاهم .

وتشير المصادر التأريخية إلى قيام هرثمة بن اعين بتوسيعها والاهتمام بعمارتها فقيل له انها تسمى (حذتا ܚܕܬܐ) أي : الحديثة بالسريانية فقال سموها الحديثة، كما تشير بعض المصادر إلى ان سكان حديثة الانبار ، قد هاجروا اليها ، وحملوا اسمها إلى موطنهم الجديد ، وذلك لمّا وليهم ابن الرفيل ، أيام الحجاج بن يوسف الثقفي ، والي العراق على أيام الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ، فعسفها فبنوا فيها مسجدا وسموها الحديثة ، وتقوم على انقاض حديثة الموصل اليوم (  قرىة السلطان عبدالله ) و  ( خرائب النگار ) و ( قرية تل الشعير  ،  شخير )  قبالة ناحية القيارة شرقي دجلة  .

2 – قرية  باطرطر / باترتر / ترتار / بيت – ترتر ܒܝܬ ܬܪܬܪ قرية كانت من اعمال نينوى ،  في شرقي الموصل ،  وردت مصحّفة في كتاب تاريخ الموصل لابي زكريا الازدي ،  الذي حققه الدكتور المصري علي حبيبة ، فضبطها بصيغة ثرثار ،  كما  تصحف النص لدى المحقق المصري ،  لكن النص الدقيق هو كما صححه الباحث السرياني يوسف جرجيس ألطوني كما يأتي : ” وممن سكن الموصل ، ولد مالك بن فهم ،  ثم ولد عدي بن عمرو بن مالك وبنو ثوبان ، وهم أهل باساطا ، .. فنزل قرية ، يقال لها ترتار ،  وسفطا وبحواثا والعروبة ، من اقليم نينوى ” .

كما ورد ذكرها في كتاب الرؤساء لـ توما المرجي من القرن التاسع الميلادي في معرض حديثه في الفصل الثالث عشر عن واقعة ريح السموم والمجاعة التي حدثت ايام الطوباوي القديس مارن عمه, والآية التي اجراها بعصاه, بعد ذهابه الى حصن عبرايا (الموصل) وطوافه فيها طالباً الصدقة من المؤمنين ليقيت اليتامى والمساكين الذين في مقاطعته (حدياب) ، ولما جمع فضة كثيرة وخرج ليعود ،  سبقه الى بيث ترتر في ضواحي نينوى بعض اللصوص, رقبوه من الموصل وكمنوا له في وادٍ يرصدون مروره ، ولما مر وهو ينشد مزموراً عرفوا أنه ليس حاملاً شيئاً ولما دخل تلاميذه ذلك الوادي, انقض عليهم السراق وأوقفوا دوابهم. فاستغاث به التلاميذ, فالتفت واذا باللصوص يتهيأون لسلب كل ما عندهم, فقال لتلاميذه: “اعطوني عصايا” ولما ناولوه اياها, شد عمامته في رأس العصى وقذفها نحو السماء بحدة وشرع يبكي قائلاً: “مَلّت نفسي في جهادها ،  وما أكثر ضيقاتي, فكم هي أيامي ولا تنقلني فلا أرى السيئة ،  فهو ذا المال الذي استعطيته للمعوزين أسلمته بيدي الناهبين ” ، فإذا بالعصى ترتفع بين الأرض والسماء ، ثم هب عليه نسيم عليل وبدأت شرارات نار تتطاير من حواشي العمامة وترشق وجوه السراق, ولما رأوا هذه الاعجوبة حل بهم خوف شديد وارخوا اياديهم عن البغال ،  وجاءوا يطلبون الصدقة مخذولين وهم قائلين: “أيها الطوباوي ،  احسبنا نحن أيضاً مثل أولئك المساكين الذين تنقل إليهم هذه الفضة ، وأعطنا منها صدقة ،  لأننا إنما فعلنا ذلك لفرط الجوع” فأمر تلاميذه أن يعطوهم شيئاً ، وعاد اللصوص القهقرى ،  أما هم فساروا في طريقهم فرحين ، ولما أتوا الى مركز الابرشية صاروا يذيعون على الملأ الأعجوبة التي صنعها الطوباوي .

ولم يتمكن محقق الكتاب ومعربه الباحث البير ابونا من تحقيق موقع هذه القرية بيث ترتر ، لكن واقعها الجغرافي والأثري بما ينتشر على سطح التل من كسر فخارية تعود لتلك الحقبة ،  يدفعني  لمطابقتها مع قرية (مْطَنْطَر) حالياً ، كما تسمى (دويزات فوقاني) ويسمى التل الواقع فيها بـ ( مقبرة ﮔنصة ) وهي من قرى عشيرة السبعاويين وتقع على الساحل الشرقي لنهر دجلة إلى الشمال من كورة حديثة الموصل ( قريتي السلطان عبدالله و خرائب النگار وأجزاء من قرية تل الشعير ) .

والقيم / الگيّم على مزار السلطان عبدالله هي أسرة موصلية عمرية (  عزالدين بن أحمد بن سليمان بن احمد باشعالم العمرية ) وهي تقطن بجوار المزار الذي قامت عصابات الإرهاب بتفجيره عام 2013

صادفنا رؤية حراشف وجلد أفعى قد غيرت جلدها وتركته في الموقع الأثري ، وكذلك عقرب أسود كبير ، وقنفذ ذي أشواك  .

أ . د . عامر الجُمَيلي ( ابو هشام ) / كلية الآثار – جامعة الموصل – العراق

اهم المصادر التاريخية والبلدانية والجغرافية :

1 –  المرجي ،  توما (اسقف المرج من القرن التاسع الميلادي) كتاب الرؤساء عربه ووضع حواشيه الأب: البير ابونا ، الطبعة الثانية, مطبعة ديانا ، بغداد  ، 1990

2 – ألطوني ، يوسف جرجيس : حديثة الموصل وأطرافها في العصور الإسلامية – دراسة تحليلية في المعالم العمرانية والتأريخية ،  مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية ، مجلد 13 ، العدد 1 , 2014

3 – الدومنيكي ، الأب جان فييه : آشور المسيحية ، ترجمة نافع توسا، مراجعة وتقديم الاب د. يوسف توما،  الجزء الاول

4 –  مديرية الآثار العامة ، المواقع الأثرية في العراق ،  بغداد ، 1970

5 – الحموي، ياقوت, معجم البلدان, تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي, دار الكتب العلمية, بيروت ، 1990

6 – يوسف جرجيس ألتوني: ريف الموصل-مستدرك على معجم البلدان لياقوت الحموي-، مجلة المورد، العدد 4/ نوفمبر, بغداد، 1989.