ربيع إيزيدي في سنجار.. بعد 8 أعوام من الإبادة الجماعية

سعد سلوم

بطريقة تراجيدية، قام عدد من شباب سنجار في عام 2018 باحياء الذكرى الرابعة للإبادة الجماعية من خلال إعلان يوم الإبادة كتاريخ لوفاة الامم المتحدة، إذ دفنوا نعشا كتب عليه تاريخ تأسيس الأمم المتحدة في ٢٤-١٠-١٩٤٥ كيوم ولادة، وتاريخ ٣-٨-٢٠١٤ (ذكرى الإبادة الجماعية) كيوم وفاة. ثم وضع الشباب الاعلان بشكل لافتة في أحد المقابر الجماعية الإيزيدية في سنجار بتاريخ ٣-٨-٢٠١٨ لتترك دلالة ظاهرة على فقدان الثقة بالمجتمع الدولي.

لم يتوقف الجيل الجديد من الشباب الإيزيديين عن الإحتجاج والتظاهر في الأعوام الأربعة اللاحقة 2018-2022، لقد كانوا جزء من حساسية جديدة ربطتهم بغيرهم من الشباب العراقيين اللذين خرجوا في تشرين عام 2019 لكي يهزوا قناعات النظام السياسي بوجوب تغيير نظام المكونات وتأسيس بديل يقوم على  المساواة والمواطنة وتحقيق العدالة.

كان من نتاج الحراك الإحتجاجي إستقالة حكومة (عادل عبد المهدي) ومجيء حكومة جديدة برئاسة (مصطفى الكاظمي)، وخلال فترة الكاظمي القصيرة نسبيا جرت تطورات ثلاثة بشأن الإيزيديين وسنجار: الاولى هي توقيع إتفاق سنجار بين اربيل وبغداد في 9 تشرين الأول 2020، وصدور قانون الناجيات الإيزيديات في 15 أذار 2021، وأخيرا زيارة الكاظمي لسنجار في 17 حزيران 2021 والتي تعد أول زيارة لرئيس وزراء عراقي للمنطقة.

وإذا كانت هذه التطورات تعكس عودة لسنجار وقضية الإيزيديين الى فلك السياسية الداخلية العراقية، فإن إستقبالها بالنسبة للمجتمع الإيزيدي كان متفاوتا، وبدأ عدد من الناشطين في الإحتكام في تقييمها الى ما تسفر عنه من مخرجات فاعلة، وطالبوا بمزيد من الجدية في التنفيذ والمتابعة من قبل الحكومة العراقية الفدرالية والمجتمع الدولي، ومنذ الثاني من شهر أيار 2022، خرجت مجموعة من الشبان الإيزيديين في ناحية الشمال (سنوني) في سنجار في إحتجاجات هدفها وضع هذه التطورات في سياق أكثر فعالية، والمضي لحل حالة الإنسداد السياسي في سنجار على نحو تنفذ فيه مطالب تتعلق بضرورة معالجة الأوضاع المتأزمة في القضاء. كانت هذه ثورتهم ضد جميع هذا الانسداد، فبعد ثمان سنوات ما يزال الناجون يعيشون في الخيم، وتهدد مأساتهم بتكرار نموذج اللاجئين الفلسطيين “نحن شعب فلسطيني جديد”. تاليا قطعت مجموعة من الشباب الغاضب الطريق في مجمع بورك في القضاء تحت عنوان (الحراك الشبابي المستقل)، مطالبين بضمانات حقيقية لإنهاء المظاهر المسلحة في عموم سنجار وجعلها منطقة خالية من السلاح.

يخطأ من يعتقد ان هذا مشهد محلي في مكان حدودي قصي بين العراق وسوريا وتركيا، بل هو مشهد متكرر بأشكال متنوعة في كل مكان في الشرق الاوسط. فهولاء الذين خرجوا في سنجار كانوا يبدأون ثورتهم الخاصة ضد العمالقة، كانوا يتحركون على خلفية مشهد اوسع، حتى خارج وطنهم الأم، ولو اتيح لإقرانهم في مدن اخرى في تونس ومصر وسوريا ولبنان وبلدان اخرى لخرجوا لأسباب معادلة في مواجهة الانسداد الإقليمي الشامل: تونس التي كانت تمثل النموذج الذي خرج من عنق الزجاجة يرتد الى ماضيه ما قبل الثورة، مصر عادت بعد ثورتها الملهمة لقواعد الحكم العسكري التقليدية، سوريا تركت أرضا يبابا بعد حرب اهلية دامية، وحتى نموذجهم القريب بعد ١٧ عاما من التغيير يراوح في مكانه وفشل نظامه في انتاج حكومة عراقية بعد اكثر من عشرة اشهر من الانتخابات، إن قدر الإستمرارية المحبطة يبدو حاكما للمنطقة بأسرها في حتمية كاتمة للأنفاس والأمل في التغيير.

اتسعت الإحتجاجات في وقت لاحق لتشمل قطاعات واسعة من أهالي سنجار لمنع انتشار المظاهر المسلحة، وفي بعض الايام لم تمنع حتى الأجواء الماطرة من إعاقة المظاهر الإحتجاجية. وقد رفع الشباب لافتات كتب عليها “سنجار ليست للبيع.. نريد السلام” إحتجاجا على الاشتباكات المستمرة بين فصائل مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني من جهة، والجيش العراقي من جهة أخرى، مخلفة موجة نزوحا جديد لمئات العائلات الإيزيدية. كانت هناك مخاوف من ان يتحول ذلك الى نزوح اللاعودة،  لذا كان خروج الشباب في الاحتجاجات تعبيرا عن الرغبة في وقف المظاهر المسلحة من بين الأقضية والنواحي التي يسكنها المواطنون المدنيون، وإبقاء الشرطة المحلية والأمن الوطني فقط، وإنهاء ازدواجية إدارة القضاء، مع تقديم تعهدات حكومية بعدم تكرار النزاع في المدينة وتهديه حياة المدنيين.

في البداية، كانت المجموعة الشبابية مؤلفة من الذكور فحسب، لكنها توسعت مع مشاركة الناشطات من النساء، واجيال مختلفة، واتسعت لتشمل مختلف قطاعات المجتمع وشرائحه، وأمتدت من ناحية سنوني الى مركز قضاء سنجار. في وقت لاحق قابل وفد من الحراك ممثلي الحكومة الفدرالية في بغداد، وشدد على إن من يتولى إدارة  القضاء يجب أن يكون مستقلا وغير متورط بقضايا فساد وأن يكون من أهالي سنجار.

إذ على الرغم من مرور نحو عامين على توقيع الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان اتفاق سنجار لإدارة القضاء وتطبيع الأوضاع فيه وإدارة القضاء من النواحي الإدارية والأمنية والخدمية إلا أن الجانبين لم يتمكنا حتى الآن من تنفيذه كما يجب.

عاد الهدوء إلى قضاء سنجار، نسبيا، بعد انسحاب المسلحين من مركز ومناطق قضاء سنجار باتجاه جبل سنجار، وفي حين وسعت قوات من الشرطة والجيش العراقي انتشارها في احياء قضاء سنجار بعد انسحاب المسلحين،  لفتت الانتباه إلى أن “الهدوء عاد إلى القضاء”. وكان ذلك في المحصلة النهائية نتيجة الإحتجاجات الشبابية التي التف من حولها أهالي القضاء للمطالبة بإنهاء المظاهر المسلحة. ولكن مع إستمرار القصف الذي نفذته طائرات مسيرة تركية لمقار وحدات مقاومة سنجار بتاريخ 15 حزيران، والذي أدى الى مقتل طفل وإصابة 4 أشخاص وتسبب بإضرار منازل مدنية في ناحية سنوني بقضاء سنجار بلغ غضب الشارع الإيزيدي ذروته وطالبوا بأخراج الإيزيديين من معادلة الصراع التي هم ليسوا طرفا فيها، وحصل صدام مباشر بين الأهالي والفصائل المسلحة.

وبالرغم من ان إعلان الحراك الشبابي توقفه مؤقتا بعد تعرض أفراده ومحيطه الأجتماعي لتهديدات وحملة منهجية لتشويه مطالبه، وحالة الإحباط العامة التي تهيمن على المجتمع الإيزيدي الذي يشعر بإنه يتحرك على مسرح يتصارع فيه العمالقة، لكن الروح الحية التي أثارها من الصعب إخمادها. حتى مع حصول تطورات لاحقة كانت مثيرة للرعب بالنسبة للحراك الشبابي الإحتجاجي تمثلت بتلقي الشباب لتهديدات من جهات نافذة في القضاء، وخطف بعضهم، وأخيرا استهدافهم بالاغتيال، فقد تعرض الناشط الإيزيدي جميل سليمان (40 عاما) للإغتيال بأطلاق النار عليه في 30 حزيران، والأخير كان عضواً ناشطاً في الحراك الشبابي المستقل الذي طالب بأخراج جميع الفصائل والمظاهر المسلحة من سنجار.

من السهل أن يسيطر الوجوم على وجوه ناشطي الاحتجاج بعد سماع خبر أغتيال زميلهم، وأن يدفعهم ذلك للتوقف عن الحراك أو الهرب من مواجهة الموت، لكن الطريق الذي سار عليه هولاء الشباب من الجيل الغاضب سينضم اليه الإف من أقرانهم من الأجيال الجديدة، وذلك في سبيل أن لا تتكرر الإبادة الجماعية مرة ثانية، ومن أجل منع دينامية إستمرارية الإبادة الجماعية (الفرمانات عبر التاريخ) من تحطيم أحلام المجتمع الإيزيدي. وكما قال لي أحد شباب الحراك الإحتجاجي المستقل ” نحن لا ننظم تظاهرات او نعلن أحتجاجات فحسب، هذا ليس حدثا بل هو فكرة جديدة تنتشر في المجتمع الإيزيدي، نحن نمثل فكرة هي ولادة جيل جديد، وهذه الفكرة لن تموت”.