رأي : العراق والحراك من أجل الخلاص (4)

دانيال سليفو

يبدو ان عدم الإستقرار هو الشعار الثابت والإستراتيجية النافذة والفعالة للعراق والمنطقة منذ عقود , فمن كارثة الى أخرى اكبر , باتت شعوبنا تسير دون بوصلة ولا مرفأ , وبالتالي طُعماً سائغاً للقوى الكبرى والى ادواتها من عصابات وجماعات ارهابية . ومن جهة أخرى نرى ان شراسة الارهاب هي شراسة من يدافع عن نفسه الى حد الرعب , مُعتبرا العالم بأكمله عدواً والخوف أمام ظواهر التطور والتحديث والعلمانية والليبرالية وتحديث الفهم الديني , وهذا صفة الخاسرين , وبالتالي الرغبة الجامحة والهيستيريا في تدمير الآخرين لتستوي الأمور نحو دمار شامل للجميع !.
هوية العراقي
تُعرف الهويّة في اللغة ( من المصادر ) بأنّها مُصطلحٌ مُشتقٌّ من الضّمير هو ؛ وتحمل في معناها حقيقة الإنسان وخلجاته ، ومميزات الشخصية الفردية المندمجة مع الوعي العام ومسيرة الجماعة, ومجموع كل ذلك يكّون طبيعة الدولة وشكلها المنصهر في آمال الجمهور وتطلعاته. وبالتالي تشعر الجماعة أهمية الإندماج مع بعضها البعض ومع القوانين المنظمة للسلطة والمعنى الحقيقي والمثمر للواجبات والحقوق.وهذه الخصائص متحققه عند الإنسان العراقي .
عودة الذاكرة العراقية هدف مُلح
العراق يمر حالياً بنفق مظلم قد يؤدي به الى الزوال , وهذا يلزم الجميع الى الأخذ باسباب النهوض من أجل البقاء وتكملة مسيرة الحياة , فأمم عديدة  تقدمت واستخدمت الزمن لصالحها , وبقى العراق مراوحاُ في مكانه ولم يستطع مواكبة الركب الإنساني ولم يساير مقتضيات الحضارة والتقدم الإجتماعي والعلمي والتقني والسياسي والأمني الذي وصلت اليه الأمم والشعوب . ومهمتنا كعراقيين أُصلاء تحرير العقل الفردي والجمعي بالإنتماء الحقيقي بالأصل الحضاري المؤسس المنبثق من أرض الرافدين ( بين النهرين ) , والذي خدم العالم والإنسانية , فكم بالحري أبناءه !؟. لذا قد نحتاج الى جهود وعقود عديدة من الزمن لبناء الانسان الجديد الذي يفهم الانتماء الديني التاريخي الإنساني وجدانياً ومدركاً لمفاهيم المواطنة والديمقراطية والرأي والرأي الآخر , وأعتبار التعليم مركز الاهتمام لخلق جيل متعلم ومتحصن , وكذلك إزالة مشاعر الكره والبغض للأخر المختلف وروح الانتقام والثأر , وذلك بوضع مصلحة العراق مقياساً للفصل بين جميع الإشكالات والمعرقلات , وهذه مهمات ليست بالمستحيلة , إن بدأنا بداية صحيحة ومن إيمان حقيقي بقضية العراق , فلن تستطع أية قوة مضادة من إيقاف المسيرة , والتاريخ يشهد على ذلك. وعلى الباحثين والمهتمين بالشأن العراقي الاستفاضة في هذا الموضوع لانه ينصب في عملية البحث عن الذات والهوية الوطنية العراقية أما الأدوات والوسائل متوفرة بكثرة في كل مكان , سواءاً أكانت في اللغة أو الآثار والثراث ( الديني والإجتماعي والتاريخي ) أو في الفن والعلوم وغير ذلك.
إنقطع العراقيون عن أصالتهم الحضارية وذاكرتهم كأُمة بسبب الإحتلالات العديدة وآخرها الإحتلال المغولي المدمر والعثماني الطوراني العنصري , وبالنتيجة قُطعت عنهم سبل التواصل الحي مع هويتهم الإنسانية كشعب واحد و هوية واحدة , وأدى هذا بالنتيجة الى ضمور الشعور واليقين العقلي المتواصل مع الماضي لينطلق منه الى المستقبل . وساد الإنحدار الفكري والعقائدي الإيدلوجي في الثقافة والدين والأخلاق والسياسة , ولم تستطع بؤر النور والإصالة من الظهور على السطح تحت ظل هذا الواقع , وهذه مهمة العراقي الجديد للتعامل مع الواقع بكل تفاصيله ومعانيه للوقوف بقوة وبسالة أمام تيارات التعصب والإنعزالية والجمود , قبل ان يجرفنا الزمن نحو العدم والزوال في ظرف زمني منظور !.
موجز للعراق بين السياسة والدين والسلطة
القراءة المتأنية لتاريخ العراق تكشف انه قد أُحتل من كيانات وقبائل أقل حضارة منهُ , وهذه سنة الخليقة والصراع البشري على الأراضي والمياه ومصادر المعيشة الى مدى يمتد الى البدايات الأولى لظهور التجمعات السكانية الأولى , ولكن مما لا يمكن التسامح به  والتغاضي عنه أبداً ان نجد بين ظهرانينا من يقوم بخدمة القوى الخارجية الطامعة بإسم القومية والمذهب والعشيرة , فأرض العراق وحضارته أسمى من كل العناوين والإنتماءات الجزئية . والأخطر هو قيام تنظيمات سياسية تقنن العمالة للآخر وتعبئ شرائح معينة بإتجاه خدمة الطامع والحالم للإستحواذ على أجزاء من الوطن والحضارة والبشر!. ويعلم الجميع إن أوربا بعد تحررها من قيود سلطة الكنيسة في القرون الوسطى , إستطاعت الوقوف على قدميها نحو التقدم والتطور . ومن أجل إحترام السلطة الدينية وتقدير مهمتها ودورها في غرز المشاعر الإنسانية الأخلاقية الراقية  وجب إبعادها عن السياسة
ظلت الأحزاب الرئيسية الحاكمة تعمل بعقلية المعارضة , وظلت تجتر شعارات مهلهلة باهتة مستهلكة من كثرة التكرار , وإنتقلت من شعارات حرية العقيدة  والتقدم والشورى الى التزمت والتخوين والمحاصصة والتحالفات على أُسس هيلامية مصلحية وقتية بحجة الخطر الداهم المتربص والمؤامرة !, لتبرير قمعها وطغيانها. ونمت وتطورت مفاهيم غريبة تجعل العراق غنيمة يجوز تقاسمها والاستئثار والإستحواذ عليها وتقسيمها بين المتنفذين , وتحولت الثورة الى ثروة وتحول المقاوم الى مقاول , وهذا أدى الى سيطرة الدولة العميقة القابضة بشراسة على مصادر الاموال الرئيسية وقامت بالدعس على الدولة بمؤسساتها الراسخة , تحت أقدام البرامج الحزبية والإنتماءات المذهبية والعشائرية بل والعائلية الضيقة , ومن هؤلاء البعض الذي شرعن وقنن الفساد بمقولة (( ان أموال الدولة والبنوك والشركات الحكومية , مجهولة المالك وبالتالي هي مشاعة للجميع , ويحق التصرف بها بحرية . )).
والأنكى من ذلك, إستخدام النصوص الدينية والمذهبية الى فلسفة ركيكة لبناء الدولة , فالإسلام السياسي الذي ينوي التمسك بالسلطة يأي ثمن , تاه ما بين دولة الخلافة وولاية الفقيه وطاعة ولي الأمر وبين الحكم الديني ( العصري ) المُحدث والمُطعّم في قشوره بالمدنية والتنوير والحداثة وحرية الفرد.! وبين إبعاد الدين عن السياسة والحفاظ على المقدس عن هوى وعبث السياسيين ومن الوقوع في الزوايا المظلمة للسياسة وطرقها ومسالكها الموبوءة , وبالنتيجة لا الدين شرعن السياسة , ولا السياسية حفظت قدسية الدين , لان الشعائر والتعبد شأن إنساني وجداني وروحي يشد أبناء المذهب والدين الواحد روحياً بعضهم ببعض . والسياسة شأن حياتي يتعلق بالحياة اليومية للأفراد وحاجات الناس للمعيشة والخدمات, وتدير التنوع الإجتماعي والإثني في ظل قانون يحفظ الحقوق وينظم الواجبات بين مختلف الإنتماءات والقوميات والمذاهب , وهذا ما جعل العراقيين تنفر من الدين المُسّيس ورجاله, وتعزف عن المشاركة الإيجابية من القضايا السياسية .