حوار: ألدا بنيامين: الحراك السياسي خلّص آشوريي العراق من التهميش

زوعا اورغ/ الترا صوت

في شباط/ فبراير الفائت، أصدرت “مطبعة جامعة كامبريدج” في المملكة المتحدة كتابًا بعنوان “الآشوريون في العراق الحديث: التفاوض على الفضاء السياسي والثقافي” للباحثة والأكاديمية العراقية ألدا بنيامين، التي تسلط فيه الضوء على واقع وأحوال الآشوريين السياسية والثقافية والاجتماعية خلال الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الفائت.

يقع الكتاب في 272 صفحة، وهو أول إصدارات الباحثة العراقية المتخصصة بالتاريخ الفكري والثقافي والسياسي للعراق وسوريا خلال القرن العشرين، إضافةً إلى قضايا مختلفة تشمل الأقليات والتعددية والذاكرة والوطن والانتماء في المجتمعات المحلية متعددة اللغات، ومجتمعات الشتات، في سياق الهجرات سواءً من الريف إلى الحضر، أو في سياق الهجرات العالمية.

ألدا بنيامين أكاديمية وباحثة عراقية من مواليد مدينة كركوك. هاجرت مع عائلتها إلى كندا بعد حرب الخليج، وتقيم حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكملت دراستها لنيل درجة الدكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. شغلت عددًا من المناصب البحثية في كليات مختلفة، وتعمل حاليًا باحثة في جامعة “كاليفورنيا بيركلي“، وستبدأ قريبًا العمل كأستاذة متخصصة في دراسات الشرق الأوسط في “جامعة ديتون“.

هنا حوار معها حول كتابها “الآشوريون في العراق الحديث: التفاوض على الفضاء السياسي والثقافي”، الصادر مؤخرًا عن “مطبعة جامعة كامبريدج”.

– كيف تبلورت فكرة الكتاب؟ ما الذي دفعكِ إلى تأليفه؟

ظرًا لكوني باحثة، أريد أن أسلط الضوء على تلك الجوانب من التاريخ العراقي التي لم يتم دراستها بشكلٍ وافٍ. لقد لاحظت أن هناك نقصًا في الأبحاث والدراسات التي تغطي الفترة بين الستينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لا سيما في ما يخص تاريخ المناطق الريفية البعيدة عن مراكز المدن، وكذلك مسألة الأقليات والمسيحية المشرقية والمكوِّن الآشوري.

ألدا بنيامين: سمحت الحركات الفكرية والسياسية للآشوريين بالتخلص من تهميش المجتمع لهم والإفلات، ولو بشكل مؤقت، من حصرهم داخل دائرة كونهم أقلية

كما استرعى انتباهي عدم وجود فهم كافٍ لتاريخ اليسار في الشرق الأوسط والعراق. فضلًا عن ذلك، فإن منهجي في دراسة المجتمعات الصغيرة هو فريد من نوعه: فأنا أسلط الضوء، في هذا الكتاب وفي سائر أبحاثي الأخرى، على تهميش الأقليات، مع الأخذ بنظر الاعتبار انخراطهم في المجتمع التعددي وفاعليتهم فيه، رغم تغيّر التوجهات إزاءهم في أماكن معينة. فعلى سبيل المثال، أصبح الآشوريون ناشطين في الحياة العامة في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ ساهموا بفاعلية في العملين الصحافي والسياسي.

استعنت في كتابي بمصادر أرشيفية لم يتم التطرق إليها من قبل أو من غير الشائع الرجوع إليها من قبل الباحثين، لا سيما تلك التي اطلعت عليها شخصيًا في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد. مع الاعتماد، بدرجة أقل، على المصادر البريطانية والغربية التي كثيرًا ما تستخدم لدراسة هذا المجتمع. وفي هذا السياق، أجريت مقابلات مع النشطاء من السياسيين والمثقفين وكذلك المطربين، وأود أن أشير إلى استفادتي من الموروث الغنائي لهذا المكوّن، فضلًا عن تتبعي الحركة العابرة للحدود لتسجيلات الكاسيت وللفنانين أنفسهم.

أضف إلى ذلك قيامي بتضمين البحث تحليلًا معمّقًا لما ورد في الدوريات العراقية على تنوعها، الصادرة باللغتين العربية والآرامية (السريانية)، والتي عثرت عليها في مكتبات ودور نشر مختلفة، واستفدت من المقابلات الشخصية التي أجريتها في المدن والبلدات والقرى العراقية وكذلك في أمريكا الشمالية وأوروبا.

– حدثّينا عن الكتاب، مضمونه وطبيعة الأفكار والأطروحات التي يتضمنها؟ كيف تقدّمينه لقراء “ألترا صوت”؟

يتناول كتابي، على نحوٍ خاص، الفترة الممتدة من ستينيات إلى ثمانينيات القرن المنصرم، عندما كان الآشوريون، (وهم مجتمع تاريخي موطنه الأصلي شمال بلاد ما بين النهرين وينتمون إلى الكنائس المشرقية السريانية، يتحدثون الآرامية “السريانية” المتأثرة بالأكدية)، قد أخذوا يهاجرون من مدنهم وقراهم التاريخية في المنطقة الشمالية إلى المراكز الحضرية، منتقلين إلى المدن العراقية الكبرى بحثًا عن أعمال ووظائف حديثة ومهن تواكب العصرنة والتطور، وعلى وجه الخصوص في صناعة النفط المزدهرة والتي شرعت، في حينه، بالاتساع والنمو، فضلًا عن بحثهم عن فرص تعليمية أفضل.

وبحكم تواجدهم في مراكز المدن الكبرى، انجذب الآشوريون إلى الحركات الفكرية والسياسية التي سمحت لهم بالتخلص من تهميش المجتمع لهم والإفلات، ولو بشكل مؤقت، من حصرهم داخل دائرة كونهم أقلية، ليتمكنوا من الانخراط مع مواطنين عراقيين آخرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية مشابهة والاندماج في العمل السياسي.

ألدا بنيامين: يتناول الكتاب مفهوم النوع الاجتماعي “الجندر”، ويبحث أيضًا في دور النساء اليساريات اللواتي عشن، في بعض الأحيان، حياةً غير تقليدية

في هذه الفضاءات السياسية العلمانية واليسارية في كثير من الأحيان، وجد الآشوريون حيّزًا للمناورة وتشكيل تحالفات إستراتيجية، سواء كأفراد أو كمجتمع، بما يخدم القضايا التي كانت، في أغلب الأحيان، في صالح المجتمع العراقي برمته وليس في صالح مجتمعهم فقط.

– ما الغاية من الكتاب؟ ما الذي تحاولين قوله من خلاله؟

من وجهة نظري، من المهم أن يتم الأخذ بعين الاعتبار، شراكة جميع فئات المجتمع التعددي، دون تجاهل لحظات العنف عند حدوثها. إذ أود أن أبيّن أن التعددية قد أثرَت مجتمعاتنا بل هي مصدر غنًى لها، وأنه ما يزال هناك مجال للتعايش.

كما أن فهم النهج الذي تتعامل به الحكومات عادة هو أمرٌ مهم، لا سيما بالنسبة إلى قضينا وفي عصرنا، فسياسات الحرب الباردة وضعف الدولة في مناطق المعارضة وسلسلة الانقلابات، كلها أجبرت الدولة على التفاوض. وهكذا، نتج عن الأوضاع السياسية الخارجية والداخلية، أن تنتهج الدولة سياسات إيجابية نوعًا ما تجاه مختلف شرائح المجتمع العراقي آنذاك.

ولا يجب أن نغفل أن هذه الأقلية (الآشورية) كانت تحظى بمكانة جيوسياسية ولديها تحالفاتها مع المجموعات المعارضة الأخرى على أساس الموقع والجغرافيا والأيديولوجيا، كل ذلك أحدث فرقًا. وهكذا يمكننا الاستنتاج، إن الحكومات لا تتفاوض ما لم تكن مستفيدة أو متأثرة بالضغوط المحلية أو الدولية.

كما أود أن أشير إلى الأهمية القصوى التي يجب أن تحظى بها قضايا المرأة وموضوعة النوع الاجتماعي (الجندر).  وأخيرًا، لقد أعادت الهجرات من الريف إلى الحضر موضوع التعددية اللغوية إلى الواجهة، لا سيما اللغات الأصلية في العراق، في محاولة لتصويب الواقع الذي فرضته سياسة التعريب اللغوي التي انتهجتها الحكومة آنذاك.

– هل هناك جمهور معيّن تأملين أن يصل إليه الكتاب؟

بصورة عامة، الكتاب موجَّه إلى جمهور القراء المتخصصين في تاريخ الشرق الأوسط والعراق الحديث والمهتمين به. لكني آمل أن يجذب الكتاب جمهورًا أكبر من المهتمين بشؤون: الأقليات، مسيحيي الشرق الأوسط، قضايا النساء ودراسات النوع الاجتماعي (الجندر). فضلًا عن الأشخاص الذين عاشوا الفترة التي يتناولها الكتاب، أضف إليهم أبناء الجيل الجديد من الذين يحاولون فهم الإطار السياسي والثقافي الذي عاشه آباؤهم وأجدادهم، والحقبة التي شكلت الوعي السياسي لمعظم سياسيي الزمن الراهن.

– هل سيترجم الكتاب إلى اللغة العربية؟ أتأملين ذلك؟

آمل أن تتم ترجمته إلى العربية قريبًا، حتى أتمكن من وضعه في متناول جمهور القراء في العالم العربي.

– هل هناك ما تريدين إضافته حول الكتاب؟

نعم، أود أن أشير إلى أن الكتاب يتناول أيضًا مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر)، ويبحث في دور النساء اليساريات اللواتي عشن، في بعض الأحيان، حياةً غير تقليدية. وكذلك يسلّط الضوء على دور المرأة المثقفة في المجتمع وما كتبه المثقفون من كلا الجنسين، عن موضوع النوع الاجتماعي، وطريقة تناولهم له.

– هل ثمة مشاريع قادمة؟ وفي حال وجودها، هل تدخل ضمن السياق نفسه؟

لديّ مشروع كتاب جديد يتناول “سوق ألقوش التاريخي” باعتباره جزءًا من شبكة تبادل السلع على المستويين المحلي والإقليمي، مع الأخذ بنظر الاعتبار التأثيرات الإمبريالية والاستعمارية، المؤسسات الدينية وكذلك الممارسات الثقافية في المجتمعات متنوعة أو متعددة الأطياف. إذ بالإضافة إلى كتابة تاريخ المنطقة، فإن هدفي هو استكشاف نمط نموذجي للتغيرات في المناطق متعددة اللغات والأديان في الشرق الأوسط والعالم.

ألدا بنيامين: أسعى في مشروعي البحثي إلى الإضاءة على تلك الجوانب من التاريخ العراقي التي لم يتم دراستها بشكلٍ وافٍ

أفكار مشروع كتابي التالي “سوق ألقوش التاريخي”، مرتبطة في بعض الأحيان بتلك الأفكار التي تناولتها في كتابي الأول “الآشوريون في العراق الحديث”. إذ، على سبيل المثال، أتناول تلك الشبكات التبادلية الممتدة إلى ما وراء الحدود الدولية المصطنعة، لتنقل ما هو ملموس وغير ملموس من البضائع والأفكار فضلًا عن الأشخاص، كما أتناول التعددية اللغوية والفضاء الفكري العراقي على تنوعه.

لكن، بشكل عام، الموضوع مختلف ومتمايز، مع مزيد من التركيز على المجتمعات والمؤسسات الدينية، وهذا ما يميزه عن الكتاب الأول ذي النظرة العلمانية، مع الأخذ بنظر الاعتبار تأثير الحقبة الزمنية التي تتناولها الدراسة.