بمناسبة يوم الشهيد الاشوري

يعكوب ابونا

من ابسط حقوق الشهداء علينا ان نذكرهم بيوم استشهادهم ، ولكن شعبنا وعبر تاريخه الطويل كل يوم له شهداء ، ليس لجرم ارتكبوه بل لحق طلبوه ، لانه كان يتعرض للاضطهاد والقتل لاكثر من سبب مرة بسبب انتماءه القومي ومرة بسبب انتماءه الديني والثالثة بسبب انتماءه الوطني ، وغيرنا صحيح يضطهدون ولكن اضطهادهم كان اما بسبب مذهبته اوطائفته اوبسبب قوميته . واما نحن لجميع هذه الاسباب نضطهد ونقتل ، وطبعا هناك من لم تناله تلك الاضطهادات وان كانوا محسوبين على شعبنا ، فكانوا من الانتهازيين اوالمصلحيين اوعملاء السلطة من الطبيعي ان يتمتعون هولاء بنعيم السلطة واولادهم كانوا يخدمون السلطة وكان منهم ضباط في جيش العراقي الذي كان يقتل ويبيد شعبهم ، فطبيعي هولاء ان يدافعوا عن السلطة ويدينوا تضحيات شعبنا ،..

في التقارير البريطانية السرية / يؤكد احد شهود العيان البريطانيين قوله ( لقد رايت وسمعت الكثير من الاحداث المروعة التي وقعت خلال الحرب العالمية الاولى ، ولكن الذي رايته في سميل بعيد عن تصور الانسان …)..

لذلك كان الاتحاد الاشوري العالمي محقا ومصيبا عندما قرر في مؤتمر ايران عام 1970 اعتبار السابع من اب من كل عام يوما للشهيد الاشوري ،لان مأساة شعبنا في قرية سميل وشمال العراق تشكل اول عملية اباده جماعية منظمة وموجه من قبل السلطة تجاه شعبنا … لذلك يتطلب الامر ان تبذل الجهود لكي تسجل هذه الحادثة في المحافل الدولية كاول عملية الابادة الجماعية حصلت في العراق الجديد كانت لشعبنا ..

بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها ، بدا عهد تقرير المصير الذي رفعه ويلسن الرئيس الامريكي انذاك ، فقسم ارث الدولة العثمانية بين الحلفاء .. وفق ما قرره مؤتمر “سان ريمون” في نيسان 1920م ، الذي وضع القطاع العربي الشمالي الممتد من البحر المتوسط إلى فارس تحت الانتداب، فأعطيت بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين وشرقي الأردن، وأعطيت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان.

كان هذا القراروفق ما كانوا قد اتفقواعليه في مفاوضات سرية سابقه بين بريطانيا وفرنسا وروسيا التي بدات في (مارس 1915م) لتقسيم الدولة العثمانية فيما بينها بعد انتهاء الحرب، وهو الاتفاق المعروف باسم ” سايكس – بيكو فيما بعد، وكان المبدأ لهذه الاتفاقات هو تصفية الدولة العثمانية في ظل مبدأ توازن القوى في حوض البحر المتوسط.. وإن مصالح الحلفاء والعرب التقوا في تقويض الدولة العثمانية .. فكان ثمن تعاون الشريف حسين مع الحلفاء إنشاء دول عربية مستقلة. وهكذا تم فعلا عندما منحوا الحلفاء للشريف حسين الحجاز ولاولاده العراق والاردن.. وفلسطين تحت الانتداب البريطاني ..وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ….

وهكذا فالذين تعاونوا مع الحلفاء اخذوا حقوقهم الا الاشوريين ، وبهذا الصدد يذكر رئيس الوزراء البريطاني الاسبق تشرشل في مذكراته ، اذ يعترف صراحه بالقول بان بريطانية العظمة قد خانت حليفتها الصغرى الامة الاشورية ،لان الاشوريين كانوا قد تحالفوا مع دول الحلفاء اسوة بالاخرين وقدموا التضحيات الجسام ، مقابل الوعود التي قطعوها الحلفاء لهم بان لهم حقوق سوف ينالونها بعد الحرب منها حقوقهم القومية..الا ان بعد انتهاء الحرب العالمية قسم ارث الدولة العثمانية بين المنتفعين بحق او بدونه ، وحرموا الاشوريون من اي حق وانكروا له حقه الموعود به له منهم .. لذلك تتحمل بريطانيا بشكل مباشر مسؤولية تضحيات وماسي شعبنا بسبب ذلك التحالف ، لانه ضحوا بشعبنا من اجل تحقيق مصالحهم الخاصة في المنطقة ..

وعندما وقع خلاف على قضية الموصل بين تركيا وانكلترا والعراق ، رفع الامر الى محكمة العدل الدولية في لاهاي ، وفي كانون الاول / 1925 اجتمعت عصبة الامم واخذت الاقتراحات المقدمة من اللجان ورئ المحكمة الدولية . وقررت:

الحدود التركية العراقية تكون حسب خط بروكسل المقرر سابقا .والمتخذ في 27 – 29 تشرين الاول 1924 .

ان تمدد بريطانيا الانتداب على العراق 25 سنة اخرى وان تبقى ولاية الموصل تحت الحكم العراقي لتكون جزء من العراق …

احتفاظ تركيا بمقابل ذلك بولاية هيكاري الاشورية ومنعهم العودة اليها ، وابقائهم بالعراق

منح الاتراك 10% من واردات النفط في ولاية الموصل لمدة 25 سنة

رفع يد فرنسا عن الموصل مقابل مد يدها على ضفاف نهر الراين في اوربا بحرية .

بهذا حلت مشكلت الموصل مع الاتراك على حساب حقوق الاشوريين … بعد ذلك قدمت بريطانيا اقتراح على عصبة الامم لمنح الاستقلال للعراق ، فجرت مناقشة الموضوع في عصبة الامم في ايلول من عام 1932 ، فحضر البطريرك مارشمعون الى جنيف واثار قضية شعبه الاشوري.. ، الا ان الممثل البريطاني ونوري السعيد ممثل العراق في المؤتمر استطاعوا تمريرذلك القرار بدون الاشارة الى اي حق للاشوريين .

وكان العراق قد وقع مع بريطانيا معاهدة عام 1930 في عهد وزارة نوري السعيد ، التي لم تحظى الا باستنكار الجماهير ومعارضة رشيد عالي الكيلاني وياسين الهاشمي رئيس حزب الاخاء ، فتم الاتفاق مع الحزب الوطني العراقي الذي كان رئيسه محمد جعفر ابو التمن ، فكان التنديد بهذه المعاهدة التي اعتبرت ( صك العبودية )… فادى ذلك الى استقالة نوري السعيد وجاءت حكومة ناجي شوكت ، فقدمت هي الاخرى استقالتها وجاءت وزارة رشيد عالي الكيلاني في 20 / 3 /1933 ، وعين حكمت سليمان وزيرا للداخلية ، واصبح نوري السعيد وزيرا للخارجية .. اثار ذلك دهشة واستنكار راى العام ….

كانت مطالبه الاشوريين بحقوقهم الوطنية سببا بان تجد حكومة رشيد عالي الكيلاني من تلك الحركة مخرجا لازمتها السياسية امام الشعب ، ،فقامت الحكومة بمناوره ففي 10 / ايار / 1933 استدعى البطريرك مار شمعون الى بغداد للاجتماع بوزير الداخلية ، فانتظر البطريرك ستة ايام لمقابلة الوزير لكي تتم تلك المقابله ، فبين له الوزير عدم رضى الحكومة عن تصرفاته ، وطلب منه التنازل والتخلي عن مركزه الدنيوى وزعامة الاشوريين ، واعد له مذكرة للتوقيع عليها ، رفض مارشمعون التوقيع ، فمنع من السفر الى الموصل ،وتم اعتقاله في بداية شهر حزيران /1933 ، على اساس اعتبر عمله هذا مخالفا للدستور والقوانين المرعية ، بعد ان اتهم بمساعدة ومساند العصيان الذي اتهم به الملك ياقو واتباعه في دهوك ، على اثر اتهام هذا الاخير بالعصيان اوعزت الحكومة الى امر موقع الموصل بكر صدقي لتهيئة الاعمال الحربية ، فتحرك القطعات العسكرية ، الا ان الضابط البريطاني استطاع اقناع ملك ياقو بالحضور امام متصرف الموصل والتعهد بحفظ الامن والنظام ، الا ان الحكومة المركزية استمرت باجراءاتها العسكرية فشكلت قوة عسكرية اطلق عليها اسم ( عماد ) تتكون من قطعات الحروب الجبلية وقطعات من المشاة وقوة الشرطة السيارة ، انيطت قيادتها بالعقيد بكر صدقي ، في 10-11 /تموز /1933 عقد اجتماع بين ممثل انكلترا وممثل عن الحكومة العراقية وبعض الاشوريين المؤيدين لمار شمعون ،، لتوطين الاشوريين في بعض مناطق شمال العراق ..وكان القرار من لم يرضى منهم بذلك عليه مغادرت العراق .

فغادر في 14 تموز بعض زعماء الاشوريين منهم ملك ياقو وملك لوكر وشيلمون الى بغداد لمقابلة مار شمعون ، وعبروا الى سوريا وطلبوا الحماية الفرنسية ، رحبت فرنسا بالطلب فعبروا الالاف من الاشوريين الى سوريا ، اتصلت الحكومة العراقية طبعا بتوجيه الانكليز بالفرنسيين وطلبوا منهم تجريد الاشوريين من السلاح ، وابعادهم الى مناطق الحدود مع السماح لهم بالعودة الى العراق اذا وافقوا على تسليم سلاحهم .. سافر ممثل بريطانية في العراق لهذا الغرض الى فرنسا واتفقوا على عدم السماح للاشوريين بالدخول الى سوريا بل تجريدهم من السلاح واعادتهم الى العراق …

نفذت فرنسا الاتفاق بعدم السماح للاشوريين بالبقاء في سوريا بل اجبرتهم بالرجوع الى العراق عن طريق النهر … واثناء عبورهم اخذت الطائرات العراقية يقودها الانكليز بفتح النيران عليهم ، ومن الجهة الاخرى من النهر كان باستقبالهم الجيش والشرطة العراقية ، ومع ذلك استطاعوا مقاومة الجيش والشرطة ، وفي 4 اب / 1933 شن الجيش هجوما ثانيا واستمرت المعركة لليوم التالي ، وفي 5 اب قاد الملك لوكر هجوما على جبل جياي بخير ففتح الطريق لعبور البقية نهر دجلة  .

اخذت وسائل الاعلام العراقية بتوجيه من السلطة ، تنشر اخبار بان الاشوريين بداوا بالحرب ضد العراق ، فاعلن الجهاد في اب 1933 ضد الاشوريين وطلبوا من العرب والبدو والاكراد المشاركة في هذا الجهاد ومن لم يوافق على قتل وسلب ونهب الاشوريين فهو خائن الدين والوطن ووعدوهم بمكافآت بالجنيهات الاسترلينية لمن يقتل اشوري .

فاخذت المعارك تشن على القرى الاشورية فتعرضت لذلك العمادية ودهوك وشيخان والموصل..وابيدت اكثر من ستين قرية من القرى شعبنا المسيحي على اساس انهم اشوريين في شمال العراق وتعرضوا الى اباده جماعية…..في هذا الوضع الماساوى الذي كان شعبنا يعيشه هناك نشرت السلطة خبرفي المنطقة بان من لم يقاوم عليه بمغادرة اماكنهم وتجمعهم في قرية سميل القريبة من دهوك ليتمتعوا بالحماية…

كانت حكومة رشيد عالي الكليلاني قد بدأت بحمله رسمية وشعبية لتعزيز موقفها امام الشعب ، وذلك بتهيئة الراى العام على ضرورة الاقدام على القضاء على الاشوريين والتخلص منهم ، ففي 1 – 14 من شهر تموز 1933 نشرت اكثر من ثمانين مقالة رئيسية في صحف العراقية تنادي بالقضاء على الاشوريين ، وفي شهر اب 1933 نشرت الصحف اكثر من 230 مقالة مهنية تدعو جميعها لتخليص البلاد من الاشوريين بالقضاء عليهم …

ويذكر عبد المجيد القيسي في 213من كتابه الاثوريون ، عن مستر لونكرك الذي كان موظفا ومسؤولا في وزارة الداخلية والمطلع على مجرى الاحداث والكولونيل ستافورد المفتش الاداري في لواء الموصل وكان في قبل الاحداث وكان له دورفي انهاء حوادث ملك ياقو ، فدون هذا مشاهدته عن تلك الاحداث في كتاب نشره عام 1935 وعن هذا الكتاب ينقل لونكرل تلك الاحداث يقول :

(( ..ادت اعمال نهب الدور وهدمها وقتل سكانها الى هجر فلاحي المزارع المجاوره لقرية سميل مساكنهم والتشرد في الطرقات وبدات منذ يوم 8 / اب / اعداد كبيرة منهم تدخل الى قرية سميل والالتجاء الى مخفر الشرطة طلبا للامن والسلامة والنجاة . وقد طمانهم عريف المخفر الى ذلك فاقاموا محيطين به حتى 11 اب اذ بدات الشكوك تساورهم وهم يشاهدون عودة العشائر لنهب وحرق ما تبقى من دورهم ثم تحققت مخاوفهم حين دخلت القرية صباح ذلك اليوم وبصورة سرية قوى عسكرية منتظمة برشاشات من الجيش العراقي وما لبثت ان فتحت نيران رشاشاتها وحصدت جميع المجتمعين في القرية حتى اذا انتهت عند الظهيرة من مهمتها امتطت سياراتها العسكرية وعادت ادراجها من حيث اتت ، تاركة الارض سابحة في الدماء ومغطاة بالجثث الملقاة في العراء، وفي اليوم التالي عادت قوةعسكرية اخرى وحفرت قبورا جماعية القت بها جثث القتلى وكان عددهم 305 رجلا واربع نسوة ويستةاطفال ولم يخسر الجيش احدا .))…

ويذهب القيسي في مؤلفه في نفس الصفحة، الى القول .. (( مما لاشك فيه ان هذا العمل الوحشي البشع ..الذي كان بتدبير بكر صدقي ، اراد ان يعيد الماساة نفسها في قرية ( القوش ) لولا ان بشاعة ما جرى في سميل اقنعه بالعدول عما نوى )) ..وبهذ الصدد يذكر المرحوم توما توماس في “مذكراته الحلقة الاولى والمنشورة في عدد مواقع الكترونية يقول ..(( القوش ، وهي بلدة عريقة في بلاد ( بيت نهرين ) من بلاد آشور ، تبعد 40 كيلو متـرا عن نينوى آخر عاصمة للاشوريين….. وقد حافظت القوش على اصالتها وتقاليدها ولم تتمزق هويتها القوميــــة رغم مرور الاف السنين على نشأتها ، ولم تنل منها غزوات القبائل او الدول المتعاقبة على حكمها بعد سقوط كيان دولتها ، فظلت لغتها الكلدانية – الاشورية شامخة حتى يومنا هذا . ويضيف …

تميزت القوش بمواقفها القومية الشجاعة بمساندة ابناء قوميتــــــــها اثناء المحن ، اتذكر جيدا ( فرمان الاثوريين ) كما سمي بمجزرة سمٌيل ، وكيف احتضنت القوش العوائل الاثورية التي هجرت قراها ولجأت اليها ، لازالت ذكرى تلك المأساة عالقة في ذهني .”… .

كانت القوات الحكومة بمدافعها ترابض على قمة جبل القوش ، وعلى سفحه تنتظر، القبائل الكردية ، قصف البلدة بمن فيها ، لدخولها واستباحتها بعد ان خططوا لاقتسام الغنائم وحتى النساء ، اما البدو فقد اتلفت قطعان غنمهم وحقول القمح وبساتين البطيخ وانتظروا بدورهم الاشارة لدخولها واخذ حصتهم من الغنائم . لقد استبسل المقاتلون الاثوريون بالدفاع عن قراهم …….. وبتدخل البطريرك عمانوئيل الثاني بطريرك بابل على الكلدان انقذ البلدة ، بإستحصاله قرارا من الحكومة العراقية ، وبضغط من سفارات فرنسا وايطاليا والفاتيكان ،وانهى بنفس الوقت الحملة ضد الاثوريين ورفع الحصار عن القوش ….

بعد ذلك توجه الملك غازي شخصيا الى القوش .فوصل في 30 اب 1933 واستقبل بحفاوه.. بعد ان كان هو قد وقع على امر ابادة الاشوريين …….لان والده الملك فيصل الاول كان يعالج في سوسرا

وكانت الحكومة انذاك برئاسة رشيد عالي الكيلاني وحكمت سليمان وزيرا للداخلية ، وياسين الهاشمي وزير المالية وجلال بابان وزير الدفاع ونوري سعيد وزير الخارجية .. كان لهولاء الدور الكبير في قيام تلك المجزرة التي تمت على يد بكر صدقي والنقيب اسماعيل عباوي ….

وفي 15 / اب / 1933 سنت الحكومة قانونا طارئا يقضي بنفي البطريرك مار شمعون ايشاي الى خارج العراق ، وفي 18 اب 1933 وصل الى جزيرة قبرص منفيا …

استمرت مأساة شعبنا المسيحي الكلداني السرياني الاشوري وباشكال مختلفة فبعد مجيء البعث المجرم عام 1968 اقاموا بمجزرة اخرى لشعبنا في قرية ( صوريا ) بتاريخ 16 /9 / 1969 على يد المجرم الضابط العسكري عبد الكريم الجحيشي ، عندما قتل سكان القرية جميعهم رميا بالرصاص وبدم بارد ، وحسب مايشاع بان هذ المجرم لازال يسرح ويمرح في شوارع الموصل حرا طليقا ـ …

شعبنا لحد يومنا هذا يتعرض الى اشكال مختلفه من الاضطهادا والقمع والتهجير، وبشكل منظم ، علينا ان نعئ هذه الحقيقة لان مصيرنا واحد والمتربصين بنا لايفرقون بين صليب على كنيسة كاثوليكية اوسريانية او شرقية الكل مستهدفون ، فاين نحن من كل هذا الذي يجري في هذا الزمن الردئ ،

المجد والخلود لشهداء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري

والخزي والعار للقتلة المجرمين …