العراق من مهد الحضارات الى احضان الاخفاقات

نيسان بيغازي

الارث الحضاري لأية امة هو دليل هويتها وشاهد حاضر على تاريخها, وان تخليد روائع الاعمال والانجازات وتجسيدها على الطين والحجر وفي بناء المباني والمعابد والسدود والابراج وصروح اخرى تعكس المستوى الرائع للتطور الفكري الذي وصل اليه ابناء ذلك الشعب او تلك الامة ويبرهن ايمانهم الثابت في التواصل الحضاري مع الاجيال المستقبلية التي يتحتم عليها الحفاظ على هذا الموروث من كل مايصيبه من مكروه ليتصل بمعنى الاصالة لهذه الكنوز والموروثات وتضمن سلامتها وحمايتها من العبث باعتبارها خبرات انسانية في حياتها الماضية ومرتبط بواقعها الحاضر وكنز لمستقبلها القادم لان الحضارة ملك لمن يستفاد من روائعها, اما التقليل من اهميتها او العبث والاستهانة بها وتسخيفها واعتبارها من مخلفات وثنية بالية واماكن لعبادات مشركة ينبغي ازالتها فهو قطعاً شعور بنقص الانتماء لهذا الأرث والجهل بقيمته التاريخية. والحضارة تبدا حين تعالج المشاكل والاضطرابات في البلد ليسود الامن والامان فتزداد اواصر الالفة والانسجام بين مكونات المجتمع الواحد وتفتح الابواب مشرعة للقيام بالانجازات الثقافية والعلمية والعمرانية لان الانسان حين تتوفر لديه فرص الاستقرار والسلام تزول عنه مشاعر الخوف والقلق وتنطلق من داخله امكانيات التطلع والاستمرار في الابداع.

** لكن في بلاد بيث نهرين مهد الحضارات والرقي وبعد السقوط السياسي للحكم الوطني في بابل واشور ظل العراق يحوم في فراغ قاتل ابتداءاً من حكم الغزو الاجنبي المتكرر له وما رافق هذه الفترات من حروب مروعة ومحاولات التغيير في تركيبته السكانية وطمس هويته ارضاً وانساناً من قبل من ليست لهم هوية مرورا بكل الانظمة التي تعاقبت على السلطة فيه بانقلابات عسكرية دموية او مؤامرات وصراعات طائفية واستشراء الفساد والرشوة وصولا الى نظام الحكم البرلماني الحاضر, بحيث بات من الاستحالة ان يتحرر الوطن من الطوق الفكري المتعصب القائم اساسا على ميزان المساومات لا المساوات في كل تلك الحقب تسببت في ظهور الانشقاق داخل المجتمع وعدم التوافق بين السلطة والشعب ولم يكن لدى المتسلطين على الحكم غير الضعف الذي يتبجحون به بدلاً من ان يتغلبوا عليه لانقاذ ماتبقى من كرامة الوطن وحمايته من الانهيار لان المتتبع لكل تلك الفترات لايسمع ولايقرأ الا تشابها عجيباً وغريباً في تكرار واجترار للكوارث التي طالته ولاتزال تلاحقه وغدا موروثا انعكس سلباً في بنية النظام السياسي له واصبح الانتماء الطائفي عصبية سياسية اكثر من ان يكون عصبية دينية مذهبية لان الطوائف صبغت منذ نشأتها بصبغة سياسية بفعل الخلافات من اجل القفز على السلطة والجاه بين السياسيين وتجذرت تدريجياً بحيث ادت الى هيمنة الطوائف وخضوع الدولة لها, وهكذا توالت انظمة تخريبية للبلد مبنية على برامج معطلة للحياة العامة مما تسبب في انقطاع الوطن عن ماضيه الحضاري المجيد وفقد التواصل الحي مع مستقبله في ظل كل حواضره المتتالية في الماضي الذي انقضى واستمر الى حاضره الحالي الذي لم يولد هو الآخر غير اقبح العيب والعار, فأذا كان الحاضر درس الماضي والمستقبل جني الحاضر فكيف يراد ان يكون المستقبل في بلد الحضارة والعراقة في اجواء حاضره الاليم المثقل بالازمات.

** هذا العراق سليل اولى الحضارات في العالم سومرية, اكدية, بابلية, آشورية الذي ورث ارثاً غنياً من الانجازات والاختراعات وفي مختلف علوم الحياة ورسخوا مفهوم المدنية الذي زرع العدل والشعور بالعيش المشترك بين مكوناته الملونة لتجمعهم رابطة الهوية الوطنية مع احترام الهويات الفرعية الاخرى وتعاملوا مع الدين والعلم معا فأنجزوا نور الحضارة اقترب الغرب البعيد عنها فأستفاد واضاء وابتعد القريب منها فأفسد وأضاع. في ظل ماتقدم يمكن القول بأنه بات موضوع البحث عن نظام حكم تمثيلي منقذ ومعبر عن الحالة العراقية الشاذة من المستحيلات بوجود جماعات بشرية مغلقة على بعضها البعض قائمة اساساً على مبدأ التسلط الطائفي والتدليس تمخضت عنه انظمة حكم راكدة فشلت في ادارة الدولة طوال قرون مضت، ثم جاؤوا بالديمقراطية المفصلة على مقاسهم والقائمة على مصطلح المحاصصة التي الغت اسس الديمقراطية الحقيقية وثبت في الواقع المعاش بانها لم تكن الا مبدأ لصوصي لتقاسم ماهو مسروق بين الشركاء في العملية السياسية مما زادت من تجذير الفكر السياسي الطائفي وتهميش للوطنية, في حين ان الكل يعرف بان الديمقراطية نظام سياسي واجتماعي يحكم فيه الشعب وجاء هذا النظام بعد معانات لتجارب مريرة سابقة لشعوب كانت تعيش في انظمة حكم مستبدة ليشرعن مفهوم الانتماء الوطني الانساني الجامع بين كل اطياف المجتمع ذات الطبيعة التعددية دون اعتبارات اخرى كون هذا النظام يدفع باتجاه زرع المساوات والعدل والانسجام في الحقوق والواجبات لينعم المجتمع بالاستقرار ويستعيد دوره في صنع القرارات عن طريق ممثليه في البرلمان.

** اذن التعددية في هذه الحالة دعامة اساسية لنشوء انظمة ديمقراطية خاصة في المجتمعات التي لم تبلغ بعد مرحلة متقدمة من النمو السياسي ولم تنشأ الديمقراطية فيها وتطورت في سياق تطورها التاريخي التي تهدف الحفاظ على العيش المشترك لا لتكريس الامر الواقع المفروض المرفوض لانه يقضي بالتاكيد على الديمقراطية الناشئة ويعمل بالتالي الى الهيمنة الطائفية او القومية التي انجبت انظمة ذات نزعة تسلطية فشلت في ادارة الدولة لان النظام الديمقراطية المعتمد عند بقية خلق الله قائم على ركنين.

الاول .. الانتخابات ويكون اختيار الحكم فيها باالاقتراع العام والاغلبية عنه تتولى زمام الحكم باعتبارها تعبر عن غالبية الشعب.

والركن الثاني هو .. وجود جانب المعارضة الايجابية لتقييم اداء الحكومة وتتنافس سلمياً على الفوز بالسلطة ضمن مباريات قائمة على تقديم الافضل للمجتمع يكون الفائز تبعاً لتبدلات اتجاهات الرأي العام في الانتخابات اللاحقة وليس كما هو الحال لدينا مبني على اساس الاقلية او الاكثرية التي تؤجج وضعية الانقسام بين الطوائف، وفي مثل هذه الحالة سوف تستمر الاحزاب السياسية في ترشيح نفسها للانتخابات بصفتها المدافعة عن حقوق الطائفة التي تنتمي اليها, وتجعل منها محور لتمرير اجندتها السياسية في حين لم تترك هذه الاحزاب في واقع الحال من منجزات تذكر لتفتخر بها طوائفهم غير الدم والدموع، فعلامة التعلق بالفرع فقط وترك الأصل.

ونتساءل هل كتب للعراق ان يكون في يأس وخوف وقلق دائم من القادم؟ وهل هو خال من العقول والطاقات الخلاقة التي باستطاعتها البحث عن طوق النجاة الذي ينهي حالة الاخطاء السياسية المتكررة والامراض ذات السلوكيات الشاذة والتعند في الانغلاق بوجه الحلول، لتستقيم امور الدولة وتعيد للوطن سيادته وللشعب كرامته حينئذ سيكون انجازاً حضاريا يستحق الانحنائة والتصفيق وبعكسه ستكون الأحزاب والكتل السياسية بأخفاقاتها المتوالية قد منحت تبريراً شرعياً ليكون حاضر الوطن ومستقبله في وجه طوفان النيات السيئة لمشروع (بايدن) الرامي لتقسيم العراق وتمزيقه.