العبرة من قصص الإبادة والإرهاب ومستقبل العراق

دانيال سليفو

جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتغيير الديمغرافي التي أصابت  صميم وجودنا   منذ قرون هي ضمن سياق عام واحد ينبغي تناولها كوحدة واحدة وأخذ العبرة من نتائجها , كون الضحية هي نفسها في جميع الحقب الا وهم أبناء امتنا . ويمكن تصويرها كمسلسل واحد ذو حلقات عديدة وأحداث ومعاني الهمجية وشريعة الغاب .. والأهم هو أخذ العبرة والدروس من  السرد التاريخي الذاتي وقصص المعاناة والإباء والقتل على الهوية ,  وليس كما يصفها الأعداء بضروب مهينة من الإنكار , وكذلك التعايش الفعال مع الحاضر ومتابعة النتائج الكارثية والسلبية ونبض أحفاد الضحايا وحياتهم  التي تؤشر بوضوح على حقيقة  إن غيوم الشر والإجرام والإبادة لا تزال حاضرة فوق الرؤوس وتهدد الجميع وتنتظر الوقت المناسب حسب الإصطفافات والمصالح للقوى الكبرى والإقليمية وحتى المحلية , ونتيجة الأطماع التوسعية المنتظر تحقيقها بعد نهاية فعالية معاهدة لوزان عام 2023  , ومظاهرها والتحضيرات والتحرك التركي الذي بدأ واضحاً للعيان في بعشيقة وجبل حمرين وسنجار وشمال دهوك وصولاً الى حلب السورية .

صراع المحور والحلفاء (الألماني – البريطاني ) وضحاياه

الوجه الآخر لحقيقة المجرم بكر صدقي ( خريج المدرسة العثمانية الحربية ) إنه كان رقماً سالباً قبيحاً ضمن الجانب العثماني ومؤثراً في الوضع العراقي الوليد حينذاك وبالتالي في الوضع المتأزم بين النازية الألمانية وربيبتها الطورانية العثمانية من جانب ومع بريطانيا والولايات المتحدة لاحقاً من الجانب الآخر والتأثير الكارثي للوضع العراقي العام  , حيث تناغمت أعمال بكر صدقي الإجرامية مع رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني ذو الميول الألمانية ( دول المحور )  ولكنه كان أكثر تطرفاً , وكان إنقلابه أول إنقلاب عسكري في المنطقة العربية  واصبح رئيساً لاركان الجيش عام 1936  وقُتل قبل ذهابه الى تركيا , وكانت حركته الإنقلابية  تمهيداً أو محاولةً  أُكملها الكيلاني عام 1941 بسيطرته غلى الحكم في حركة مايس المدعومة المانياً  ضد النفوذ البريطاني , وبالتالي هروب الحكم الملكي الى البصرة .

الضحايا سقطوا وليس من مُعزي ولا مُنقذ

في أواسط القرن التاسع عشر بدأت المرحلة الجديدة لمسلسل الإبادة لشعبنا مع الإخوة الأرمن من قبل بدرخان بك في هكاري وبمعاونة بعض أغوات الأكراد , وإستمرت وبعلم تام من الألمان الذين ساعدوا الأتراك لإبادة الأرمن والقضاء عليهم لخلق خطر تركي في أرمينيا . ووثقوا العمليات الإرهابية ضد شعبنا مع الأرمن  ( راجع كتاب قتل أمة ) وكذلك ( القصارى في مذابح النصارى ) , الى مذابح السوريان والموارنه  في ( سيفو ) وسفر برلك , وفاقت الإعداد أو قاربت ضحايا الأرمن الذين أُذيعت قضيتهم للعالم والحكومات والمجتمع الدولي بدعم دولة أرمينيا على أعتاب الحرب العالمية الأولى وراح ضحيتها ما يقارب 250 الف ضحية . ولم يفُرّق الجلاد بين الضحايا سواءاً أكان على المذهب اليعقوبي السورياني أو الكاثوليكي الكلداني ولا النسطوري المشرقي الآثوري !. ومن العبث الإعتماد على تسويق مفهوم إسم معين للضحية و تجزئة الموضوع . وللعلم فإن إسرائيل  إستخدمت  موضوع الهولكوست لصالحها ولم تتوقف فيما إذا كانوا الضحايا يهوداُ أم اسرائيلين أم هل هم أشكناز أم سفرديم !. وبعد سيفو ومجازر 1915 إستمرت حملات الإبادة في  سميل في عهد وزارة الكيلاني عام 1933 والتي أباد فيها 63 قرية . وبعد المجزرة  , وجه بكر صدقي تهديداً ضد بلدة القوش التي إلتجئ اليها الآف النازحين بأنها ستلقي مصير سميل ما لم يتم تسليم النازحين , غير إن تدخل بطريرك الكنيسة الكلدانية عمانوئيل الثالث توما في بغداد أدى الى العدول عن القرار وإنسحاب الجيش . وللجدير بالذكر وللإشارة الى عدم الفهم و فقدان الروح الوطنية المسؤولة  وعطب الفكر الجمعي , إن الروح العثمانية الطورانية كانت بشكل أو بآخر متفاعلة في بعض المناطق العراقية , حيث نُصبت أقواس النصر لإستقبال الجيش في الموصل التي كانت تحت تأثير تركيا  في ظل هتافات تشيد بالمسلحين و بأتاتورك . وبعدها إستمر مسلسل المذابح الجماعية في صورية عام 1969 وأصابت أبناء شعبنا من المذهب الكاثوليكي الكلداني , ثم عمليات الإبادة الإنفالية عام 1988 والتي تم فيها تدمير 31 قرية وصولاً الى إنتهاكات داعش والتغيرات الديموغرافية . لذا من الأجدر على القوى القومية – الوطنية تأسيس مؤسسات ومنظمات مختصة ومهنية تهتم بموضوع الإبادة والتطهير العرقي كوحدة واحدة لجميع المذاهب والأسماء والدورات الزمنية والمكانية والإستفادة من التجربة الأرمنية واليونانية , وفهم معاني الاستشهاد  بإسم الدين المسيحي ( كاور بلغة الجلاد ) ومعنى الإبادة العرقية وإغتصاب الأراضي التاريخية !.  بدلاً من تبديد الطاقات في عناوين عامة  لأحزاب ومنظمات حديدة لا تسمن ولا تغني عن جوع .
الإبادة الجماعية ( الجينوسايد ) مصطلح مستوفي الشروط في قضية معاناة شعبنا , وتقول  الإحصاءات التي تناولت الحربين العالميتين ( الأولى والثانية ) إن نسبة السوريان الآشوريين والأرمن كانت جاوزت 30% ولكنه ونتيجة عمليات الإبادة تقلصت الى 0.1 % .
قضية المجازر العثمانية ضد شعبنا هي قضية عراقية تتعلق بجزء أصيل من المجتمع العراقي , و ينبغي ان تُراعى من الدولة العراقية ويتم أخذها بمحمل الجد ليتم طرحها أمام مؤسسات المجتمع الدولي لإنصاف الضحايا وإرجاع الحقوق التي لا تسقط بالتقادم , وخصوصاً إن العراقيين جميعاً في دائرة الخطر من أعداء متعددين وأهمها حوادث القتل والإرهاب والفساد و صدامات العشائر والعصابات المنفلتة .
وأخيراً : رغم كل عمليات القطع والتجريف التي نالت أغصان وأوراق ثالوث شجرة الحياة العراقية منذ سومر وبابل والجزء الأخير آشور , فإن الجذور الممتدة الى أعماق الأرض والى حميع الحضارات والثقافات المتعايشة  , لا يمكن إزالتها لو إجتمعت عليها كل قوى الشر والهمجية جميعها .

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن وجهة نظر الموقع