الأزمة العراقية تحتدم.. “رسالة” الصدر ودلالات ما حدث أمام مجلس القضاء

زوعا اورغ/ وكالات

كان أحمد الأعظمي، وهو شاب من بغداد يستعد لإكمال معاملة عقد قرانه في محكمة الأحوال الشخصية في العاصمة بغداد قبل أن تندلع حالة من الفوضى في رواق المحكمة.

يقول أحمد إن “عناصر الشرطة بدأوا بالصياح، المحكمة مغلقة” وساد شعور من الخوف بين الناس بعد أن قام الشرطة بدفع بعضهم جسديا.

وأضاف لموقع “الحرة”: “تخيلنا أن هناك تهديدا إرهابيا أو حريقا، قبل أن نكتشف أن الموضوع له علاقة بإيقاف عمل المحاكم العراقية بقرار من مجلس القضاء الأعلى”.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي، استئناف أعماله بعد إعلانه في وقت سابق، الثلاثاء، تعليقها بسبب الاحتجاجات التي أقامها أنصار التيار الصدري أمام مبنى المجلس.

وتسبب امتداد اعتصام الصدريين إلى مقر مجلس القضاء الأعلى، إنطلاقا من مقر البرلمان، بانتقادات كبيرة للتيار، كان أحدها من المجلس ذاته، الذي وصف الاعتصام المفتوح للمتظاهرين أمام القضاء بأنه “تصرفات غير دستورية ومخالفة للقانون”، وحمل الحكومة و”الجهة السياسية التي تقف خلف هذا الاعتصام” المسؤولية القانونية “إزاء النتائج المترتبة على هذا التصرف”.

ويقول المحلل السياسي العراقي، أحمد الزبيدي، إن بيان مجلس القضاء هو “أعنف لهجة استخدمت من قبل مؤسسة رسمية ضد التيار الصدري منذ صولة الفرسان”.

ويضيف الزبيدي لموقع “الحرة” أن “البيان سمى المتظاهرين الصدريين بالاسم، وأدان تصرفاتهم، وعطل عمل المحاكم ولجان التحقيق العراقي مما شل فعليا نشاطات الدولة”، وتابع “يبدو أن هذا دفع متظاهري التيار إلى الانسحاب بأمر من زعيمهم الصدر”.

ويقول الزبيدي أيضا إن “تحميل الحكومة المسؤولية له دلالات خطرة، حيث أن هذه هي المرة الأولى التي تُنتقد فيها الحكومة من قبل مجلس القضاء بهذه الصراحة.

ووصلت الحشود التابعة للتيار الصدري إلى مقر القضاء بدون مقاومة من القوات الأمنية.

ودفعت التطورات في بغداد رئيس حكومة تصريف الأعمال، مصطفى الكاظمي، إلى قطع زيارته إلى مصر والعودة إلى البلاد، حيث دعا إلى اجتماع فوري لقيادات القوى السياسية من أجل تفعيل إجراءات الحوار الوطني، ونزع فتيل الأزمة.

وهذا هو الاجتماع الثاني الذي يدعو إليه الكاظمي بعد اجتماع عقد الأسبوع الماضي ولم يؤد إلى حلحلة الأزمة، فيما التقى الكاظمي فور عودته القيادي في الإطار التنسيقي، هادي العامري.

واعتبر الكاتب والمحلل السياسي العراقي، مصطفى ناصر، في حديث مع موقع “الحرة” أن الاعتصام “خطوة متوقعة ولوح بها التيار الصدر مرتين بعد عدم الاستجابة لمطالبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، متوقعا أن يكون هناك تصعيد آخر من قبل التيار الصدري الأسبوع المقبل يتمثل في “مليونية حاشدة في بغداد”.

وقال ناصر لموقع “الحرة” إن حكومة الكاظمي متهمة بأنها “متماهية مع تيار الصدر، وحتى القوات الأمنية بعضها متماهية مع قوات الصدر، وينسحبون بمجرد أن يصلوا هؤلاء في حين أن القوات الأمنية نفسها كانت تقمع المتظاهرين في مظاهرات 2019 بدون تواني مستخدمة الرصاص الحي والقناصة والقنابل المسيلة للدموع ما أدى إلى سقوط العشرات، لكن الأمن ينسحب من أمام الصدريين ويترك لهم الساحة مفتوحة تماما”.

ويضيف أن “أمام القوى السياسية لا وجود للقوات الأمنية التي تتصدى فقط للمتظاهرين المدنيين حصرا”.

كما اعتبر ناصر أن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، كان يتوقع هذه الخطوة، بدليل أنه رد عليها سريعا بإعلانه تعليق عمل المجلس والمحاكم في البلاد، ثم أصدر سريعا الكثير من أوامر القبض على قيادات في التيار الصدري، من بينهم صباح السعدي النائب السابق في الدورة السابقة وغايب العميري النائب لمستقيل في الدورة الحالية، كما أصدر مجموعة من مذكرات القبض بحق ضباط القوات الأمنية الذين كانوا مسؤولين عن الأمن في محيط مجلس القضاء.

وقال بيان لمجلس القضاء إن محكمة تحقيق الكرخ الأولى تباشر بإجراءات جمع الأدلة عن جريمة تهديد المحكمة الاتحادية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق الفاعلين.

كما أصدر المجلس أمر قبض بحق “محمد رحيم زامل الساعدي” وهو على ما يبدو أحد رجال الدين في التيار.

وقال ناصر  إن “مجلس القضاء الأعلى أصدر مذكرات القبض باعتبار أن الاعتصام حالة تهديد للمحكمة الاتحادية وجرم من الجرائم الإرهابية رغم أن هذين الشخصين نشرا منشورات عن رئيس مجلس القضاء الأعلى ولم يهددا المحكمة الاتحادية، فكان يجب أن تصدر مذكرة القبض وفق قانون العقوبات رقم 111 لسنة 69 وليس قانون رقم أربعة الخاص بالإرهاب”.

الرسائل “وصلت”

ويقول المحلل السياسي العراقي، علي المعموري إن “مسافة الكيلومتر التي تحركها المعتصمون من مقر البرلمان إلى مقر مجلس القضاء حملت دلالات سياسية هائلة”.

ويضيف المعموري لموقع “الحرة” أن “الصدر يقول إن بإمكانه تعطيل الدولة كلها لو أراد، حيث الحكومة مشلولة والبرلمان معطل والآن وصل الضغط إلى القضاء”.

واعتبر القيادي في ائتلاف النصر، سلام الزبيدي، في مقابلة مع قناة “الحرة” أن “رسالة التيار الصدري وصلت، لكن قرار إبقاء الخيم أمام مجلس القضاء الأعلى، يمكن أن يكون رسالة أخرى، بأنه في حالة عدم تقديم مبادرات جديدة أو حلول يمكن أن يعود الاعتصام والاحتقان وهذا سيسبب اختناقا سياسيا”، مشيرا إلى أن “زج القضاء بالأمور السياسية أمر غير مقبول، وأنه أمر محبط للمواطن لأنه من سيدفع ثمن الصراعات السياسية”.

ويتهم الصدر، تلميحا، رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بالانحياز إلى منافسيه من الإطار التنسيقي وخصوصا المالكي، وبالذات في مسألة “الثلث المعطل” التي منعت الصدر من تشكيل حكومة.

وقال الصحفي العراقي، مصطفى مسعودي، لموقع “الحرة” إن “انسحاب الصدريين جاء بعد قرار تعطيل المحكمة وأعقبه إصدار مذكرات قبض بحق قياديين صدريين”، مضيفا لموقع “الحرة” أنه “لايمكن اعتبار هذا انتصارا للصدر بأي شكل”.

ويعتقد مسعودي إن “الحركة الصدرية الأخيرة أظهرت تراجعا للصدر قد يقود إلى حلحلة الأزمة بشكل ما”.

ودان الإطار التنسيقي في بيان “التجاوز الخطير” على المؤسسة القضائية، وأعلن رفضه استقبال أي رسالة من التيار الصدري أو أية دعوة للحوار المباشر إلا بعد التراجع عن ما وصفه بـ”احتلال مؤسسات الدولة”.

كما دعا الرئيس العراقي، برهم صالح، إلى التهدئة وتغليب لغة الحوار لضمان عدم انزلاق البلد نحو متاهات مجهولة وخطيرة..

أما السفارة الأميركية في بغداد فحثّت جميع الأطراف على التزام الهدوء والامتناع عن العنف وحل الخلافات بطريقة سلمية تستند إلى الدستور، كما طالبت المتظاهرين باحترام إجراءات وممتلكات المؤسسات الحكومية العراقية.

وارتفع مستوى التصعيد بين التيار الصدري وخصومه في الإطار التنسيقي، في 30 يوليو عندما اقتحم مناصرو الصدر مبنى البرلمان العراقي في المنطقة الخضراء المحصنة في وسط بغداد، مطالبين بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.

وفي بيان الانسحاب من أمام المقر، نقل صالح محمد العراقي، عن زعيم التيار، قوله في بيان إن “في السلك القضائي في العراق الكثير من محبّي الإصلاح والمطالبين بمحاسبة الفاسدين، وإن كان هناك فتور في ذلك، فهو لوجود ضغوطات سياسية من فسطاط الفساد ضدّهم”.

وفي العاشر من أغسطس، طالب مقتدى الصدر القضاء بحل البرلمان لكن القضاء اعتبر أنه لا يملك هذه الصلاحية.

وانتقد ما يعرف بوزير الصدر، صالح العراقي، إجراءات مجلس القضاء بتعليق أعماله من دون أن يتخذ مثل هذه الخطوة تجاه الفساد المستشري بالدولة حسب تغريدة له.

ويريد خصوم الصدر في الإطار التنسيقي الذي يضم كتلة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وكتلة الفتح الممثلة للحشد الشعبي، من جهتهم تشكيل حكومة قبل الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

ويقيم مناصرو الإطار التنسيقي أيضا اعتصاما أمام المنطقة الخضراء التي تضم مؤسسات حكومية ومقرات دبلوماسية غربية منذ 12 أغسطس.

ويرى الباحث السياسي العراقي، نبيل العزاوي، بأن الصدر بكل تغريداته كان دائما وفي نفس النسق، يريد إما أغلبية في البرلمان، أو معارضة، ولذلك تصاعدت الأمور لأنه لا يريد التوافق، مؤكدا أنه “لا أحد سيستفيد من الصراع لأن الشارع ليس مكانا للحوار ولا مكانا للحل”.

وقال العزاوي، في مقابلة مع قناة الحرة، إن “المتظاهرين عادوا وتركوا ست خيام في مكان الاعتصام أمام مجلس القضاء الأعلى”، متوقعا أن “يكون هناك حوارا جامعا خلال ساعات وليس الأيام المقبلة”.

وأشار الخبير القانوني العراقي، علي التميمي في حديثه مع موقع “الحرة” إلى أن “التطورات الجديدة التي حدثت الثلاثاء إذا استمرت، كانت ربما تكون مبررا لتدخل الأمم المتحدة وصدور قرار من مجلس الأمن بخصوص ما يحدث في البلاد”.

وقال إن “تعطيل المؤسسات الدستورية في أي بلد يكون مبررا للتدخل في الدول لأن هذا يعتبر إخلالا بالسلم والأمن الداخليين”.

وعلّقت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) على الأحداث في تغريدة بالقول إن “الحق في الاحتجاج السلمي عنصر أساسي من عناصر الديمقراطية”، لكن “لا يقل أهمية عن ذلك التأكيد على الامتثال الدستوري واحترام مؤسسات الدولة”.

ويعيش العراق منذ الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2021، في شلل سياسي تام مع العجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، في ظل خلافات سياسية متواصلة.