اقتحام ومنع الحفلات الغنائية في بغداد.. أبعاد “سياسية” أكثر منها دينية

زوعا اورغ/ وكالات

يرى مراقبون أن اعتراضات المتشددين على إقامة الحفلات الغنائية في بغداد “ليست الأولى ولن تكون الأخيرة” وكذلك تحمل في طياتها أبعادا “سياسية” أكثر منها دينية تتعلق بالتنافس على تشكيل الحكومة.

وكان مقررا أن تشهد العاصمة العراقية، الخميس، حفلا للمطرب المغربي سعد لمجرد، لكنه ألغي قبل فترة وجيزة من انطلاقه نتيجة اقتحام محتجين يقودههم رجل دين يرتدي عمامة بيضاء لمتنزه مدينة “السندباد” مكان انعقاد الحفل.

أعلنت بعدها شركة “سندباد لاند” على صفحتها في فيسبوك إلغاء الحفل بشكل رسمي دون الكشف عن أسباب القرار.

الحادثة ليست الأولى من نوعها، فقد اضطرت الشركة في نهاية العام الماضي إلى إلغاء حفلاتها الغنائية المقررة في أعياد رأس السنة، بعد احتجاجات مماثلة أعقبت حفلا غنائيا للفنان المصري محمد رمضان.

وقبل ذلك حاول محتجون منع إقامة مهرجان بابل الدولي الذي أقيم في أكتوبر الماضي، بمشاركة فنانين عرب وفرق موسيقية عربية وأجنبية.

أبعاد سياسية

يرى الناشط والصحفي صقر آل زكريا أن القضية تحمل “صبغة سياسية”، وتدخل ضمن إطار الصراع السياسي ومحاولات “استعرض العضلات”.

يقول آل زكريا في حديث لموقع “الحرة” إن “المحتجين أو المجاميع التي خرجت أمام مدينة السندباد تتبع حزبا سياسيا، والشخص الذي كان يصلي بهم جماعة هو عضو مجلس محافظة سابق”.

ويضيف آل زكريا أن “الاحتجاج لم يكن صادقا، ومعظم المشاركين لم يكونوا مقتنعين، لكن بالنهاية القضية تخضع للشد والجذب السياسي وفرض الإرادات والاستعراض في الشارع”.

ومنذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية في أكتوبر الماضي يشهد العراق تنافسا محموما بين القوى الفائزة في الاقتراع وتلك التي تعرضت لخسارة الكثير من مقاعدها في البرلمان.

هذا الصراع تسبب في عرقلة تشكيل حكومة جديدة في البلاد بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على اجراء الانتخابات.

وتجري العادة في العراق، على أن يتم تقاسم السلطة على مبدأ التوافق، وأن تشكل القوى الشيعية مجتمعة الكتلة الأكبر في البرلمان التي عليها اختيار رئيس للحكومة، لكن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يريد الانقطاع عن ذلك التقليد.

ويكرر الصدر منذ عدة أشهر إصراره على تشكيل حكومة غالبية وعلى أنه صاحب الكتلة الأكبر بتحالف ثلاثي باسم “إنقاذ وطن”، مع الحزب الديموقراطي الكردستاني، وتكتل أحزاب سنية أبرزها حزب بقيادة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، مع نحو 155 نائبا.

أما الإطار التنسيقي، وهو تحالف شيعي نافذ يضم كتلة “دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وكتلة الفتح التي تنضوي تحتها فصائل موالية لإيران، يرغب بحكومة توافقية بين جميع القوى الشيعية، كما جرت العادة.

ولحين تحقيق مطلبه، يقاطع نوابه الذين يفوق عددهم الـ130 جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، مما عطّل المسار السياسي في البلاد.

واللافت أيضا أن خروج الاحتجاجات ضد إقامة حفل سعد لمجرد جاءت بعد ساعات من نشر حساب أبو علي العسكري على تويتر، ويعتقد أنه قيادي في مليشيا كتائب حزب الله، تغريدة طالب فيها بـ”إنهاء حفلات المجون والانحلال” في بغداد.

“الحوادث ستستمر”

يقول الباحث والمحلل السياسي موفق الحربي إن “التنافس السياسي بين القوى المتصارعة في العراق وصل لأشده ولم يعد هناك خطوط حمراء يمكن الوقوف عندها”.

ويضيف الحربي لموقع “الحرة” أن “القوى الخاسرة بدأت تستخدم كل شيء، من الطائرات المسيرة إلى صواريخ الكاتيوشا وصولا إلى اقتحام أماكن إقامة الحفلات الغنائية لإيصال رسائلها”.

يتوقع الحربي استمرار مثل هكذا حوادث في المستقبل ما لم تتخذ السلطات العراقية خطوات حازمة لمنعها.

ولم تصدر الحكومة العراقية أي موقف رسمي تجاه الأحداث التي شهدتها مدينة “السندباد” الترفيهية الخميس.

بالمقابل أصدرت نقابة الفنانين العراقيين، الجمعة، بيانا حول تكرار حالات مهاجمة الفعاليات الفنية التي تحتضنها بغداد والمدن العراقية الأخرى أدانت فيه “هذه الممارسات التي تنتمي للتنظيمات المتشددة ومتطرفي العصور الوسطى”.

ودعت نقابة الفنانين السلطات للقيام بواجباتها التي حددها الدستور وحماية الحريات من “نهج التعسّف الممنهج”.

وفي هذا الإطار يعتقد الصحفي والناشط صقر آل زكريا أن “القوات الأمنية العراقية تصرفت بحكمة ولم تشتبك مع المحتجين خوفا من التصعيد وربما سقوط ضحايا”.

ويشير آل زكريا إلى أنه “كان من الحكمة إلغاء الحفل وعدم الدخول في حمام من الدم في هذه الظروف”.

ومع ذلك يبين آل زكريا أن “القائمين على الحفل لم يجبروا أحدا على الحضور.. الموضوع اختياري ويدخل في إطار الحريات الشخصية التي كفلها الدستور”.

ويختتم آل زكريا بالقول إن “تكرار هذه الحوادث ضد الفعاليات الغنائية أمر مخجل ومعيب ومؤسف”، مضيفا “في النهاية اعتقد أن بغداد لن تصبح قندهار في يوم ما”.