إجتهادات من خارج الصندوق: التاريخ ذكر كل شيء ما عدا الحقيقة

إجتهادات من خارج الصندوق: التاريخ ذكر كل شيء ما عدا الحقيقة

آشوريات عراقية

دانيال سليفو

في قيظ الحبانية اللاهب, فتحتُ باب البيت رداً على دقات خفيفة سمعتها يصعوبة. وهالني منظر شخص صغير العيون وكأن النعاس قد نال منه , سلمني كتاب صغير للانجيل وتوارى مبتعداً , علمت لاحقاً بأنه كان مبشراً كورياً.  فتحت الكتاب المقدس بدون تردد وبدأت القراءة, وكانت الكلمات من آواخر رسالة الرسول بطرس الشيخ ( شمعون) الأولى من الإصحاح الخامس : 13- كنيسة بابل, وهي مثلكم مختارة من الله , تسلم عليكم.  ܒܝܗܒܼܐ ܝܠܐ ܫܠܡܐ ܐܠܘܟܼܠܘܢ ܥܕܬܐܓܘܒܝܬܐ ܕܓܘ ܒܒܼܠ ܘܡܪܩܘܣ ܒܪܘܢܝܼ . وبعد سنوات أخذت أشعر حينذاك ونتيجة هذه الآية بأننا شعبٌ مختار تابعين لكنيسة مختارة !. الى أن كانت المفاجأة المحبطة حينما قال قس كنيستنا بأن بابل تعني روما ! وكان ردي بعناد بابل تعني بابل . ولم أفهم كيف يكون المقصود مدح كنيسة روما بتشبيهها ببابل الساقطة والمرذولة ؟!. كما إن الكثير من المصادر التاريخية الكنسية تشير الى أن الرسول شمعون كيبا لم يذهب الى روما أصلاً. وبالمقابل ولتعظيم كنيستنا لمار شمعون الرسول حمل بطاركتنا الأجلاء اسم شمعون وأحياناً سُميت بالكنيسة الشمعونية, وتابعة الى بابل ( المدائن).

إستمرت رحلة المعاناة وهواية البحث لمدة قاربت النصف قرن في محيط التراث الديني والتاريخي لحضارة العراق منذ سومر وبابل وآشور ، وكانت عملية صعبة ومهمة تبدو مستحيلة وكأنها البحث عن إبرة وسط كومة القش , واليوم وبسبب التطور التكنولوجي يمكن جلب الإبرة بقليل من المعاناة والكثير من الذكاء والوعي , شرط أن يُرفع غبار الكسل والطمأنينة والنمطية الفارغة والإغفاء والتوسد بأريحية بما هو موجود . ورحلة البحث هذه ليست مستحيلة إن تم مسك رأس الخيط وسحبه بعيداً عن كرة خيوط النسيج المتشابكة, وإيجاد الطريق العلمي الأكاديمي الأمثل للبحث, آخذين بنظر الإعتبار إن التاريخ كتبه المنتصرون لغايات ونوايا شريرة, فسرقوا تاريخنا وقسموه بينهم , فالجميع كتب تاريخنا والتفاصيل الدقيقة إلا نحن !. والحضارت الإنسانية العظيمة لها من يظهرها ويبرزها للبشرية لوجود من يدعمها من قوى ودول وسلطات, فحضارات الصين ومصر واليونان والرومان لها من يدافع عنها ويقدمها للعالم وتاريخ حضارتنا ليس لها معين ولا مساند, مما يستوجب بان يكون جهدنا مضاعفاً وبعملية مستديمة يكملها الجيل القادم والذي بعده . وإتخذتُ في فهمي للتاريخ  منهج الفصل بين الإيمان وحقائق التاريخ, فالدين رسالة الهية أخلاقية مهمة للإنسان, بينما التاريخ هو عمل بشري يتاثر بالحروب والمجاعات والأمراض والكوارث وفيه النادر من الحقائق المُغلفة بتفسيرات مبهمة وركيكة والكثير من الأوهام وروايات وحكايات شعبية متوارثة شفاهياً لا قيمة لها. وهناك مظاهر عديدة وإشكاليات جمة تقف أمام الباحث المتصدي لهذه المهمة, تجعله يضيع في دوامة وزوبعة من الأكاذيب والخطأ.. ولكني بالتجربة وبما يتعلق بتاريخ سومر وبابل وآشور, وجدتُ ان المفتاح الرئيسي لفتح الابواب الحديدية الموصدة الصلدة للتاريخ هو اللغة السوريانية ( السورث ), فمنها يمكن فهم معاني الكلمات والمقاصد الفكرية والحضارية لما يقال في التراث الآشوري العراقي والهلال الخصيب بل وحتى الأوربي, وعلاقة ذلك بالأديان وحركة الشعوب الى حد بعيد.. والمفتاح المهم الثاني لفهم التاريخ الحضاري, هو الإطلاع على كيفية إبتكار ونشوء الأسماء من مصادها الأولى, وهو علاقة الارقام بالحروف ( حساب الجمل ) بحسب النظام الرقمي الستيني ( السومري البابلي الآشوري) والتي يتم من خلالها فتح الطلاسم وأحياناً الفلكية المخبوءة لمعنى أسماء المدن والأشخاص والمعتقدات الغيبية.

ومن أهم الإشكالات الكبيرة التي وقفت عثرة أمام البحوث الجدية :

أولاً : إشكالية تشابه أسماء المدن والإشخاص وتكرارها في مناطق مختلفة وبلغات مختلفة كاليونانية ( الكريكية- الكيوركيسية ) والفارسية والعربية, مما يضع الباحث أمام جدران من الصعوبات والعوائق لا يمكن القفز والدوران حولها, فتأثير اللغة ينقل القصة والرواية الى نكهة وطعم وروح مشابهة للغة المنطوقة أو المكتوب بها, وكثيراً ما كنا نحس بالغربة أمام المعروضات المقدمة بلغات أخرى.

ثانياً : بسبب الحروب والجفاف والقحط وتغيير مسارات الأنهر , إندثرت مدن عديدة  كانت عامرة في الماضي ولها الدور المؤثر للأحداث التاريخية والحضارية, وبغيابها إنتقلت موروثاتها الى مدن أخرى وأصبحت الجديدة هي الصاحب الشرعي لها !. وبالتالي الغرق في دوامة العجز واللافهم ثم العزوف عن المتابعة.

ثالثاً: إشكالية غياب الربط المنطقي الصحيح بين الأساطير القديمة المؤسسة والحضارات والمفاهيم اللاحقة, وإطلاق اسماء جديدة لابطال الملاحم, وتحويل وتشويه الغايات الحقيقية لتلك الاساطير, مع الحرص الى حد الهستيريا من مس المقدس والتراث المنقول شفاهيا من الأباء والأجداد.

رابعاً: إشكالية في عدم إمكانية إستيعاب وفهم الفترات الإنتقالية في الحضارات والدول, من سومر الى أكد وبابل وآشوروسيطرة الكهنة الكلدان وتأسيس أول دولة دينية يحكمها رجال الدين وتابعة بشكل وآخر الى الفرس, وبعدها الميثرانية الى الزرادشتية المجوسية والى الغنوصية والمانوية ( المسيحية) والمندعية الصابئية ( الناذرين – الناصورائيي – النصارى) والمسيحية الشرقية في المدائن وحدياب وأورهاي, والى الإسلام الأموي والعباسي وهكذا .

خامساً: إشكالية ندرة المصادر والمخطوطات المتعلقة بتاريخنا, وعمليات الحرق والتدمير والنبذ والإهمال التي قامت بها الإحتلالات المتعددة, إضافة الى بعض رجال الدين من جميع المذاهب والأديان الذين إعتبروا هذا التراث يتعلق بالأجداد ( الكفرة)!, الذين عبدوا ملكهم الذي حوّله الله الى ثور مجنح !.

سادساً: إشكالية العديد من الأسماء والعناوين العامة المشتركة والمنتشرة على نطاق جغرافي وزماني كبيروالتي تستخدم بشكل موسع على أشخاص وشعوب مختلفة , مما يجعل الباحث يخلط فيما بينها ولا يمكنه الفصل بينها الا بعد شق الانفس.

ومن المهم البحث عن خارطة طريق للوصول الى معرفة الذات العراقية من الإرث العظيم في سومر وبابل وآشور, من خلال إكتشاف حقائق التاريخ لفهم الحاضر للإنطلاق الى المستقبل وهذه تخدم الإنسانية, فالحضارات جميعها مُلك للبشرية جمعاء.