ما هو الوعي...؟

 

                                                                         خوشابا سولاقا

                 ان ما يميز الكائن البشري "الانسان" عن بقية الكائنات الاخرى في الطبيعة هو امتلاك الانسان للوعي عن كل ما يعيش معه وما يدور حوله في الطبيعة والحياة الاجتماعية دون سواه من الكائنات الاخرى، ويحدد له رأي وموقف تجاه ما يحصل من الظواهر، والوعي بالتالي لدى الانسان هو رد فعله تجاه كل الافعال والظواهر في الطبيعة والحياة وكيفية التعامل والتعايش والتآلف والتفاعل معها.. وللتميز الذي ينفرد به الانسان بامتلاكه للوعي دون غيره من الكائنات الحية نقدم شيئاً من التفصيل والتعريف والشرح عن مفهوم الوعي واشكاله المختلفة:

الوعي هو ما يُكون لدى الانسان من افكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة من حوله في مختلف نواحيها وجوانبها ومستوياتها المتنوعة المتآلفة احيانا والمتصارعة والمتناقضة احيانا اخرى في عملية تطور الحياة الاجتماعية بشكل خاص والحياة بشكل عام.وقد يكون الوعي وعيا زائفا، وذلك عندما تكون افكار الانسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع المادي الحي للحياة من حوله، او عندما تكون الافكار ووجهات النظر والمفاهيم جامدة وغير واقعية وفعالة في متابعة حركة وتطور هذا الواقع تاريخيا على طول امتداد مراحل الزمان..

وقد يكون الوعي وعيا جزئيا، وذلك عندما تكون افكار الانسان ووجهات نظره ومفاهيمه مقتصرة على جانب او ناحية معينة او لمستوى واحد محدد في الحياة، وغير شاملة لكل النواحي والجوانب والمستويات المترابطة والتي تؤثر وتتأثر في بعضها البعض في عملية تطور الحياة..

وقد يكون الوعي وعيا طبقيا محددا بمصالح طبقية وقتية، كأن يعي الاقطاعي ضرورة استمرار استغلاله للفلاحين دون ان يأخذ في اعتباره مصلحة الفلاحين، كذلك كان يعي الرأسمالي ضرورة استمراره في استغلال واستثمار جهود العمال دون مراعاة لحقوقهم الطبيعية وضمان مستقبلهم، وكذلك كأن يعي الفلاحون والعمال ضرورة تحررهم من استغلال الاقطاعيين والرأسماليين لنيل كامل حقوقهم دون مراعاة لحقوق الاقطاعيين والرأسماليين..

اما الوعي الانساني الشامل المتقدم، فهو تلك الافكار ووجهات النظر والمفاهيم تضع مصلحة كل انسان كأنسان فوق كل اعتبار آخر، وهي التي تتطابق مع الواقع المادي الموضوعي في حركته، وتتطور باستمرار مع تطور هذا الواقع لا يحدها في ذلك اي تعصب منهجي جامد ولا اي تعصب قومي عنصري شوفيني ولا اي تعصب ديني متطرف ولا اي تعصب طبقي قصير النظر ولا اي مصلحة مادية عابرة، وانما يبقى الشعور الانساني هو المهيمن والمسيطر على كل افعال الانسان لبناء الحياة الحرة الكريمة الجديدة التي تليق بهذا الكائن العظيم الشأن.ومع ان الوعي ينشأ في النهاية نتيجة لتأثير العوامل المادية في الحياة على الانسان، فانه من الممكن ايضا ان ينشأ احيانا وخلال فترات الانتقال التاريخية من تاريخ تطور المجتمع البشري، نتيجة لأنعكاس افكار ووجهات نظر ومفاهيم تاريخية على الانسان ذاته.

وكل انسان عاقل على درجة معينة من الوعي، الزائف او الحقيقي، الجزئي او الكامل، فان التعليم والثقافة تسهم بنصيب ملموس بخلق هذا الوعي، بالاضافة الى دور وتاثيرات العوامل المادية والتاريخية في تكوين الوعي الانساني، وتطويره وتغييره من حسن الى احسن. وهكذا نرى ان الوعي هو حالة فكرية متغيرة تتغير بتغير الحياة وتتوسع حدودها بتوسع مستجدات ومتغيرات وتطورات الحياة، وتتوسع بزيادة رغبة الانسان وطموحاته غير المحدودة للمعرفة والعلم لاكتشاف المزيد من اسرار الحياة والطبيعة والكون، ان قوة ارادة الانسان على التفوق والتطلع الى ابعد آفاق المعرفة هي مصدر وعيه الخلاق اللامتناهي.. وفي الوعي الانساني بالتالي تتجسد قوة ارادة الحياة الانسانية في مواجهة التحديات الكونية بمختلف اشكالها وانماطها، ان اختراعات واكتشافات الانسان خير دليل على قوة وفعالية وعيه على تحقيق التفوق على ما دونه من الكائنات وقهره لتحديات الطبيعة في صراعه الازلي معها على امتداد تاريخه الطويل.. وفي الختام فأن الانسان موجود بوعيه وبدونه غير موجود، كما قال الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" انا افكر اذن انا موجود، حيث ان الفكر يشكل احد جوانب الوعي الانساني..

 

 

Home - About - Archive - Bahra  - Photos - Martyrs - Contact - Links