الحاضر بين الماضي والمستقبل

  

                                                                                                            اشور ياقو البازي

                    

              ان الإنسان يعيش في الزمان، والزمان في صيرورة مستمرة، فالذي كان مستقبل يصبح حاضر،  والحاضر يصبح ماضي، والإنسان هو وسط هذه الدوامة التي لا تعرف التوقف.

 الزمان يتكون من ثلاثة أوجه، وهي الماضي والحاضر والمستقبل، وبين هذه الاوجه علاقة قوية فمثلاً :

 ( لو كان الإنسان لا يدرك إلاّ الحاضر لاصبح سلسلة غريبة من بدايات متقطعة، لا يجد فيها الشعور بوحدة شخصيته ولا شروط التفكير المتلاحم الفعال والخلاق ).

 فلا يكون الزمان متكامل ومثمر إلاّ بوجود هذه الأوجه الثلاثة،  فالناس الذين لا يهمهم ماضيهم وتاريخهم، هم كالشجرة التي يبست لان لا جذور لها،  وأما الذين متعصبون لماضيهم ومتغفلين عليه، يجعلون الحاضر ماضياً، لانهم مخلصون للتقليد، فبدل من ان يحيوا الماضي في الحاضر يقتلون الحاضر في الماضي،  وأما الموقف الثالث، فنجده عند الناس الذين يرجعون إلى الماضي ليجعلوه حاضراً منيراً وفعالاً. انهم يدخلون الماضي في ذاكرتهم وقلبهم لكي يبعثوا فيه الحياة، وهؤلاء الناس هم مثقفون. لان الإنسان المثقف : هو الذي يعيش مع جميع الأجيال الماضية، ويحيّا مع كل البشرية القديمة، ويعيش بكل حكمة القدماء، ويرسل جذوره في عالم الأمس واليوم.

  فغاية الثقافة هي أن تجعل الإنسان شامل لكي يصبح رجل كل الأزمنة، فغاية الثقافة هي أن تسلمني الإنسان الشامل، لكي أصبح رجل كل الأزمنة، بفضل ذاكرة القلب، فذاكرة القلب تسمح لنا أن نعيش حب بعضنا لبعض لننا نلتقي في ماضي مشترك.

 على الصعيد الانطولوجي، لا يموت شيء مما كان موجوداً حقاً، فالإنسان بفضل ذاكرته ووعيه يجعل الأشياء الماضية حاضرة، وما الإنسان الحاضر، وكل الأشياء الحاضرة، إلاّ ثمرة للماضي، فتاريخ كل إنسان هو مختصر لتاريخ العالم، وعمر كل مسيحي هو بعمر الكنيسة، وكل الحوادث التي لا يعرفها الإنسان، أو نساها، أو التي هي ما قبل التاريخ محفوظة في ذاكرة الله، والله كشف عن ذاته من خلال التاريخ.

 فالكتاب المقدس هو قصة الله مع العالم، والإنجيل هو قصة حياة يسوع وموته وقيامته، ولكي نعرف الله علينا ان نرجع إلى قصته ونعيشها، وهكذا سنصبح كتاباً مقدساً حيّاً،  لان الذي مضى نجعله حاضراً، ورسالة الإنسان هي أن يجدد الماضي ويبعث فيه الحياة. ومن هنا تتبين أهمية الحاضر. كقول القديس اوغسطين :  ( من الثابت والواضح لدي الآن ان الأشياء المستقبلية والماضية ليس لديها وجود، وخطأ أن نقول بوجود ثلاثة أزمنة بمعنى الماضي والحاضر والمستقبل، فقد يكون من الأصح القول :  هناك ثلاثة أزمنة بمعنى حاضر الماضي، وحاضر الحاضر، وحاضر المستقبل، وهذه الأبعاد الثلاثة موجودة في نفسنا،  ولا أرى وجوداً إلا فيها، فحاضرالأشياء الماضية هو التذكر، وحاضر الأشياء الحاضرة هو الرؤية، وحاضر الأشياء المستقبلية هو الانتظار ).

 فالحاضر هو أهم لانه هو بيدنا، فهو وقت العمل والتأمل والفرح، به نحيي ماضينا ونبني مستقبلنا. ويجعل الفيلسوف الروسي المعاصر برديائيف الحاضر وحده موجود وذلك بقوله :  ( انطولوجيا لا يوجد ماضي ولا مستقبل، بل فقط حاضر يخلق دون انقطاع ).

 وبعض الفلاسفة واللاهوتيين يشبهون الحاضر بالأبدية لمركزيته بالزمان، ولانه يعطي قيمة للماضي والمستقبل. الفيلسوف الوجودي المعاصر هايدغر يربط الحاضر والحضور ويقول :  ( لا وجود للحاضر بذاته ولا كيان له إلا  لاجل الحضور، فحضوري وحضوركم يضفيان على الحاضر معناه ).

 ان الحاضر أقل ما نملكه، كما يقول جورج هامل :  ( بين المستقبل والذكرى يظل الإنسان في قبضته أقل شيء يملكه وهو الحاضر ). وهو أثمن ما نملكه، فلنعشه بملء ، كقول تشارلس ويكنس، وهو :  ( البارحة قد عبر ... فانسه، والغد لم يحن .. فلا تهتم به، واليوم هنا ... فعشه ).

 يقول مصطفى السباعي:( الزمان مرآة نرى فيها أنفسنا على حقائقها، أجل فعلى قدر نظرتنا ورؤيتنا له، وإنتمائنا لمراحله تتجلى ملامحنا، وتسلى أحاسيسنا بين الماضي والحاضر والمستقبل ).  هناك من نراه ممسكاً بتلابيب الماضي، متشبثاً بذكرى سحقها الزمن وطمر آثارها الحاضر.ولكن هيهات له أن ينسى، أو يتناسى، نجده يجتر ماضيه كلما خذله الحاضر وفاجئه الواقع.

 وهناك من يرى أن حاضره أولى بالوفاء به، فلا جدوى لهدر الحاضر بما دثره الزمن وقضى عليه الوقت. وهناك من يعيش خارج بؤرة الوقت، متخطياً حواجز الزمن متوشحاً الأمل الجميل في الغد سادراً في طموحه.

  وفي الختام  نعمل بما قاله المسيح بالإنجيل :

  " اطلبوا أولاً ملكوت الله ومشيئته، فيزيدكم الله هذا كله. لا يهمكم أمر الغد، فالغد يهتم بنفسه. ولكل يومٍ من المتاعب ما يكفيه ". ( إنجيل متى 6 : 33 – 34 ).

 أين تجد نفسك؟ وماذا يعني لك كلاً منهما؟

 

 

Home - About - Archive - Bahra  - Photos - Martyrs - Contact - Links