الجذور الثقافية والسياسية للإرهاب

فادي كمال يوسف*

لا زلنا نعاني في دولنا بالمنطقة من جحيم التطرف والإرهاب، وتتواصل العمليات التي تستهدفُ الأبرياء.

ولو تأملنا في عملية المنيا التي استهدفت أقباط مصر وحاولنا استنتاج بعض الرسائل، نرى أن هناك تحولاً نوعياً من ناحية طريقة التنفيذ وأسلوبها وعدد الضحايا وخاصة من الأطفال الذين قتلوا بدم بارد، والتي تنم على أن التنظيم الإرهابي قرر نقلنا الى مواجهة جديدة أكثر دموية وعنفاً.

 البيئة الحاضنة

المحزن أن هناك بيئة حاضنة محلية ساهمت في تقديم دعم لوجستي للمهاجمين وتسهيل مهمتهم. كما تفاعلت في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مرعب مع رسائل و"هاشتاغات" وتعليقات ومشاركات لاقت رواجاً واسعاً من أهل المنطقة، عبرت عن مشاعر الفرحة والانتصار والغبطة، مثلت احتضاناً ليس للمجموعات الإرهابية فقط بل لفكرهم وعقيدتهم.

يؤشر ذلك الى شرخ ثقافي خطير في مجتمع ريفي بسيط، كان والى وقت قريب يحمل عادات وتقاليد أقرب الى التعايش والتسامح وقبول الآخر ببساطته المعهودة، تمتزج بالنخوة وحب المساعدة كائناً من كان بغض النظر عن الدين والعرق، وحتى أسلوب مجابهة العدو المفترض كانت مختلفة يطغى عليها الكثير من الاحترام، في غياب مظاهر كالتشفي بأحزانه والامه ومصائبه. يا ترى أين ذهبت كل تلك المفاهيم؟ ومن المسؤول عن انقراضها؟ ولماذا تغيرت اسس تم بناء المجتمع وفقها؟

 ثقافة الحقد

قد يتساءل البعض كيف يتمكن التنظيم الإرهابي من تجنيد عناصره بكل تلك السهولة؟

في مقدمة الأسباب نشر ثقافة الحقد والاستهداف، وتخيّل وجود استهداف مستمر لطرف ديني أو قومي معين من مختلف دول العالم، وتصوير جميع الاحداث والتحركات والمواقف الدولية، وكأنها بالأساس موجهة لخدمة هذه المؤامرة الكبرى التي تحاك لمحاربة هذه الامة بدينها وثقافتها وتاريخها وحضارتها، املاً في منعها من النهوض وإعادة امجادها الغابرة. وهذا بلا شك سيولد ردة فعل منطلقة من محاولة الدفاع عن الأسس التي تتعرض لاستهداف مخطط ومنظم، وهذا ما سيخلق حقداً دفيناً ضد العدو المفترض والذي سيبدأ بالغرب الكافر ولن ينتهي عند تكفير وشيطنة المجتمع برمته واعتباره مشتركاً بتلك المؤامرة الكبرى.

 المجتمع ساهم في انتشار إيديولوجية التطرف

 والمؤسف أننا نجد أن الدولة والمجتمع بمؤسساته، ساهما في نشر هذا الفكر وتغذيتهـ تشاركهما منذ سنوات عديدة خلت مدارس فكرية قد تتناقض مع فكر التنظيم الارهابي سواء مذهبيا أو حتى إيديولوجياً كالأحزاب اليسارية والقومية مثلاً، وكل ذلك الفكر كان يبث من خلال قنوات كان اجدر بها نشر ثقافة التسامح وقبول الاخر، كالمناهج التربوية، ووسائل الإعلام، والأعمال الفنية من مسلسلات وأفلام ومسرح، وكلها سُخِّرت للأسف لإنتاج نموذج فكري مريض بداء الاستهداف وحامل لفكر الحقد والكراهية.

فماذا يتوقع من يزرع يومياً هكذا ثقافة بين المجتمع وتغذيتها أن يحصد. هل سيبني جيلاً محِبّاً للآخر متسامحاً مع ذاته؟ بالطبع كلا، وهل يعتقد كذلك أنَّ فوضى زرع الأحقاد يمكن السيطرة عليها إذا انفجرت، وعندما نهيئ أرضاً خصبة تتقبل أيَّ فكر متطرف وخاصة الديني منه لما للدين من احترام وتبجيل في محيطنا الشرقي، ألا يأتي من يزرع أفكاره وسمومه ويأتي ليحصد الآلاف من الشباب المؤمنين بعقيدة راسخة من الانتقام، أمَلاً في استرجاع حلم الدولة العظيمة الغابر ورداً للهجمة الموجهة ضد الأمة وثوابتها؟؟

 ثقافة تخوين الآخر

بموازاة ما سبق فإن سياسةً أخرى لا تقل شأناً في تخرب المجتمع ودفعه نحو الهاوية كانت تمارس هي الأخرى بفوضوية ولا مبالاة بعواقبها. فشيطنة جميع من يخالف اراء السلطة، والقاء تهم العمالة والخيانة للدول التي هي بالأساس متآمرة على الحلم العربي الكبير، والذي يحاول هؤلاء الساسة الفاسدون أو الديكتاتوريون تحقيقه لشعوبهم وامتهم، وتحشيد الجماهير ضدهم، والحكم عليهم بالإعدام شعبياً تمهيداً لتصفيتهم نهائياً، تلك السياسة التي انتهجتها الحكومات الدكتاتورية الشرق أوسطية بالعموم ضد معارضيها على مدى سنوات طويلة، أصبحت للأسف تقليداً مترسخاً في اذهان عموم تلك الشعوب.

والمحزن انها انتقلت وأضحت ممارسة يومية انتهجها المجتمع. فأخذت مجموعاته السياسية والثقافية والفكرية تخون احداها الأخرى وتلقي تهم العمالة هنا وهناك،  كما تلقفت وسائل الإعلام هذه السياسة لسهولتها في قمع أي صوت مختلف فكرياً مع ثوابت ابتدعتها لتسويق منتجها، وجذب العدد الأكبر من المشاهدين المتعطشين لمثل هكذا طروحات، تحت مبدأ الغاية تبرر الوسيلة.

ولكن أغفل الجميع النتائج السلبية لسياسات غيرت وجهة المجتمع، وشرعت لكائنٍ من كان فرصة القاء التهم على الاخرين ومحاكمتهم، تحت عناوين مختلفة اختصرت اخيراً بالدين الذي أصبح سيفا بيد العارف والجاهل، فجعل المجتمع أما مولدة للإرهاب أو حاضنة خصبة له.

 حلول؟

بلا تشخيص المرض لن نتمكن من تحقيق علاج لوباء شامل لم يتوقف عند "داعش"، بل انتشر ضمن بيئة مجتمعية كبيرة تحتضن التنظيم وتمثل منبعاً مستمراً لا ينضب، والغريب أننا نعود دائما الى نقطة الصفر الأولى، في صراع ثقافتين تخون احداهما الأخرى وتحاكمها على أساس انه صنيعة للغرب وعميلة له، وتنشر الحقد في اتجاه الجمايع.

إن الحل يبدأ بالاعتراف أن ثقافة المجتمع على مدى سنوات طويلة، واختيارات الشعوب وحكامها لسنوات لم يكونا في الاتجاه الصحيح، وساهما بشكل مباشر أو غير مباشر في خلق الحالة التي نعيشها اليوم.

إن محاولة الإصلاح تبدأ من مثقفي الأمة والذين عليهم نشر ثقافة جديدة تساهم في بناء المجتمع لا خرابه وتحطيمه، وعندها لن تتمكن أي قوة خارجية من التأمر على حضارة السنوات والأمجاد الخالدة، رغم أن تلك القوى المتآمرة لا وجود لها الا في عقول وأحلام البعض.

*صحافي وكاتب عراقي

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه 


 

 

المشاهدات: 416
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2017-06-15

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا