هل التسميات ام الافكار هي التي تنحر جسد شعبنا وامتنا ؟

مقال موجه للشباب (أبناء جيلي) الأحبة

أثرا كادو – القوش

أود في البداية أن أوضح للقارئ الكريم، ولأبناء شعبي الأحبة في أركان العالم الواسع بأن هذه الأسطر هي نداء استغاثة أكثر مما هي توضيح أو مقال للقراءة العابرة، لذا أرجو أن يُفهَم بالصورة الصحيحة، لكي نستفيق ونكسر عصا الساطور الذي يقطع شجرة وحدتنا، فجذور شجرة عائلتنا القومية واحدة، كما ان هذه الأسطر تتحدث عن وحدة شعبنا القومية، وليس لها أي رابط بالجانب الديني ولا المذهبي، فأرجو أن لا ينتهي بي المطاف بقراءة تعليقات تقول “نحن مسيحيون وبس…” او غيرها، نعم، مسيحيون ولنا الفخر بذلك، ولكن لنضع كل شيء في رفّه الخاص، فكل أمر له موضوعه ومكانته وقضيته. كما إن هذه الأسطر مكتوبة للقراء الشباب أكثر من غيرهم.

خلال تجربتي التي أعتبرها قصيرة جداً في العمل القومي والتي لا تتجاوز العقد من الزمان، التقيت بأعداد أستطيع أن أقول عنها كبيرة من أبناء شعبنا، بدءً ببغداد وصعوداً الى كركوك وأربيل ونينوى وسهلها ونوهدرا/ إتّوك إلى تركيا وأرمينيا وألمانيا بالإضافة إلى أبناء شعبنا في المهاجر والدول الغربية عبر وسائل الإتصال، توصلت إلى قناعة تامة، وهي بأن ما يفرقنا هي عقولنا وليست التسميات، رغم أن هذا السبب هو نتيجة لأحداث تاريخية طويلة بعراقة تاريخنا، ولكنه اليوم أصبح أحد أدوات التفرقة، وسأوضح ذلك للقارئ الكريم كما أفهمه من وجهة نظري، حيث انني لست بمؤرخ، ولا أختص بالتاريخ، ولكنني فقط أحاول أن اوصل لكم ما أؤمن به من خلال دلائل وبراهين.

دليل منطقي عن أننا شعب واحد :

لو عدنا للتاريخ قليلاً، ونتوقف خلال القرن التاسع عشر (أي ١٨٠٠-١٩٠٠) لوجدنا أن مصطلح القومية، كما طوّر حينذاك (كمصطلح كان موجوداً تاريخياً) قد ترجم وفسّر ووضع على أساس خمسة مقومات، والتي تدعى “مقومات القومية”، وهي : (الأرض المشتركة، اللغة المشتركة، التاريخ المشترك، العادات والتقاليد المشتركة، المصير المشترك)، حيث أن أي مجموعة تشترك بهذه المقومات تعتبر منحدرة من أصل واحد، وهي قومية واحدة تختلف عن نظيرتها بنفس الصفات.

لو فكرنا قليلاً، ولا نحتاج جهداً كبيراً، وفسرنا الكلمات أعلاه كل على حدى، وقارناها بأنفسنا :

الأرض المشتركة : كل الدلائل التاريخية والجينية كما إننا نشهد لليوم بأن هذه الأرض (بلاد ما بين النهرين) كان فيها شعب أصيل، وهو الذي أسس الحضارة فيها، كأول حضارة في العالم، وما زال يعيش فيها إلى يومنا هذا، مع بعض التغييرات الديموغرافية، أي بمعنى آخر، من طور عابدين (جنوب شرق تركيا) إلى جنوب العراق، وشمال إيران شرقاً إلى شمال سوريا غرباً كان يعيش فيها شعبنا وهي أرضه تاريخياً، بغض النظر عن أي تسمية تطلق أي مجموعة على نفسها، وهذا الأمر يدل على أن الأرض موحدة بين هذه المجموعة من الناس.

لنأتي على الكلمة الثانية، ونرى إن كانت مشتركة أم لا (اللغة المشتركة): هنا، سأتكلم عن ما هو إختصاصي، لذا أستأذن نفسي لإطالة هذه النقطة قليلاً، كما هي أحد المحاور التي تؤخذ كنقطة تفرقة وليس توحيد من قبل الذين لا يفقهون باللغة.

لو راجعنا الكتب المكتوبة بلغتنا، القديمة منها والحديثة، العلمية والأدبية والكنسية وغيرها، سنجد في جميعها، وعلى الإطلاق إثنان وعشرون حرفاً (رسماً) أصلياً فقط، ولن نجد غيرها، كما وسنجد أيضاً بأن لدينا ثلاث أشكال نرسم بها الحرف، وأكاديمياً تدعى (الاسطرنجيلي، الشرقي والغربي)، هذه الرسومات هي فقط خطوط وطرق لرسم الحرف لا أكثر، وشبيهتها بالعربية (الخط الكوفي، خط النسخ، خط الثلث وغيرها)، وإن قارنّاها باللغة الإنگليزية ستكون: الخط الإسطرنجيلي هو كالأحرف الكبيرة (كاپيتال ليترز Capital Letters)، والخط الشرقي هو كالأحرف الصغيرة (سمول ليترز Small Letters) أما الخط الغربي فهو شبيه بالمزج أو خط اليد/الكتابة (هاند رايتينگ Hand Writing).

أما القواعد، فهي موحدة بالكامل، في الفصحى، من الفعل والاسم والحرف وكل ما يرتبط بها، وكل مناطقنا لها لغة فصحى واحدة، ويمكن لأي شخص الدخول على أقرب كنيسة ليرى هذا الدليل بأم عينه، أما غير ذلك فهي لهجات، وللتأكد أكثر، ليس علينا سوى أن نجد أصل الكلمة الموجودة في أي لهجة ونجد بأن لها نفس الأصل، مثلاً: بيثا، بيّا، بَيتا، بيشا جميعها من الكلمة الفصحى (بَيثا).

نأتي على الحركات ولفظها: هناك فرق بسيط باللفظ والرسم في الحركات، حيث أن هناك سبع حركات، وجزمت وقلل عددها إلى خمس حركات، بدمج أربع حركات بحركتين (زلاما بشيقا + زلاما قشيا = ربوصو / رواحا + رواصا = عصوصو) وهذا كان لغرض التطوير اللغوي، ولكن يبدو ان ما أبقى على الحركات السبع هو التزام البعض بالتطور الذي حدث، وبقاء البعض الآخر على ما كانوا عليه، وهذا هو أيضاً ناتج عن بعد المسافات وقلة التواصل بين أبناء شعبنا الساكنين غرب الفرات وشرقه، حيث من هنا جاءت تسميتي اللهجتين (الغربية والشرقية).

اللهجات:

كل لغة عريقة يكون لديها لهجات متفرعة من اللغة الفصحى، فلو إستمعنا على العربية، مثلاً، لوجدنا إختلاف في كيفية إخراج الحرف ونغمته وفي الكثير من الأحيان إضافة أو حذف بعض الحروف بين منطقة وأخرى، فالسوري تختلف لهجته عن العراقي، وكذلك المصري وغيرها، وحتى داخل البلد الواحد، مثالاً في العراق، وهذا أمر طبيعي جداً، ولكن، في جميع هذه الدول العربية هناك لغة واحدة، وهي العربية الفصحى، وهذا الأمر ينطبق على الإنكليزية والعديد من اللغات الأخرى، ولو نظرنا بنفس النظرة على لغتنا الحبيبة، نرى بأن لدينا الأمر ذاته، حيث لكل بلدة أو مدينة، تقريباً، هناك لهجة تختلف عن الأخرى، ويزداد هذا الإختلاف قليلاً بين اللهجتين الغربية والشرقية، حيث يوجد إختلاف لفظي في طريقة لفظ حركة المد (زقابا) وكون لغتنا تحتوي على الكثير من الـ (زقابا) في كلماتها، ينتج عن ذلك عند المستمع إلى اللهجتين بأنهما مختلفتان تماماً، ولكن في الحقيقة، ليس هناك فرق، فقط لو ركزنا قليلاً وكان لنا إلمام قليل جداً بالكلمات الأصلية. وإن أحد الأسباب التي أدت إلى عدم إدراك أبناء شعبنا بأن لغتنا لا تختلف عن اللغات العالمية الأخرى وإنها لغة واحدة ولها لهجات هو جهلنا باللغة الفصحى، والتي ندعوها (سَـﭘرايا / سَبرويو – أي الأدبية أو كثوبونويو/كثابانايا – أي الكتابية)، وهذا الجهل باللغة له أسبابه بالتأكيد والعظيمة منها الإضطهاد الذي تعرض له شعبنا منذ آلاف السنين وإلى اليوم، من الجانب الإنساني، السياسي والديني.

التاريخ المشترك : إن تاريخ بلاد ما بين النهرين هو نفسه، وبدلائل علمية وأكاديمية، منذ العهد الأكدي مروراً بالبابلي والآشوري، فلو راجعنا ما كتبه المؤرخين والآثاريين أو زرنا أي من الآثار في جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين، لوجدنا المشتركات أكثر من المتفرقات بكثير. كما أننا وشعورياً نحس بأن ما هو مرتبط بنا هو نفس التاريخ، حيث أن المواقف القومية الموحدة كانت تؤخذ مشتركةً بين مناطق شعبنا على الأغلب، وإن ما نظنه مختلف فقد جاء نتيجة للتزوير التاريخي الذي أحدثته الأنظمة الدكتاتورية العنصرية القومية والطائفية الدينية التي حكمت المنطقة، إن كانت عربية أو عثمانية واليوم كردية.

العادات والتقاليد المشتركة: هناك الكثير من العادات والتقاليد التي نمارسها لحد اليوم منها المرتبطة بالإحتفالات والتجمعات وكذلك في الأحزان، فلو ذكرنا على سبيل المثال وليس الحصر، الزواج والدبكات الشعبية، لوجدنا بأن الإختلافات هي بسيطة جداً، وهي نتيجة التأثير من المجتمعات والشعوب الأخرى التي نعيش معها في هذه الرقعة الجغرافية.

المصير المشترك: إن مصطلح “المصير” يعني لغوياً “ما ينتهي إليه الأمر” أي إذا حدث أمر معين في مجموعة معينة من الناس وفي مكان معين، ينتهي الأمر بجميعهم وفي جميع اماكنهم بنفس النتيجة، ولو أردنا أن نقارن ذلك بشعبنا، وعدنا بالتاريخ قليلاً إلى الوراء، ولحد اللحظة، لوجدنا بأن أي تقدم يحدث في منطقة معينة يسكن فيها شعبنا، تتأثر مناطق أخرى بصورة إيجابية، ولو حدثت مأساة في منطقة أخرى، نرى بأن تأثيرها ينتشر على المناطق الأخرى، وآخر مثال على ذلك هو احتلال داعش لمناطقنا التاريخية، حيث لم يأتي ليأخذ أرض أبناء الكنيسة السريانية ولا الكلدانية، ولا الشرقية القديمة أو المشرق الآشورية، بل كان تأثيره على أبناء شعبنا جميعا. ولو فكرنا قليلاً، ولا سامح الله، لو فرغ العراق من أبناء شعبنا، وبقيت، على سبيل المثال، بغديدا، التي يسكن فيها أكبر تجمع لأبناء شعبنا، هل يمكن لأهل بغديدا أن يستمرون في العيش؟ أم إن مصير بغديدا سيكون نفس مصير المناطق الأخرى؟!

إن مقومات القومية هي التي تجزم بشكل واضح وصريح بأن شعبنا واحد، عدا كونه واحداً في الدين، فإنه شعب واحد قومياً أيضاً، فله أرض ولغة واحدة، وتاريخ ومصير واحد وعاداتنا وتقاليدنا واحدة، فأين المتفرقات، عدا التي يزرعها المستفيدين من تقسيم شعبنا، وهم واضحون، وكما يقول المثل: فرق تسد!

أعود إلى النقطة التي ذكرتها اعلاه، وهي أن التفرقة التي بين أبناء شعبنا بسبب التسميات هي نتيجة، واليوم أصبحت سبباً كمبرر للتفرقة، حيث أن هذا الأمر له سوابق تاريخية، بدأت منذ قرون عديدة، وسببها كان من أجل السلطة والسيطرة لا أكثر، إن كان من الجانب الكنسي أو العشائري، ومؤخراً نتج ليصبح مناطقياً وقروياً أيضاً، وجميع هذه الأمور لا تدل بأن شعبنا لديه قوميات مختلفة، فلا المذهب الكنسي هو قومية ولا العشيرة ولا البلدة ولا غيرها! فالمجموعات القومية حول العالم على الإطلاق، منتشرة في مناطق معينة، وهذا أمر طبيعي، فلا يمكن لشعب كامل أن يسكن في قرية أو مدينة واحدة فقط، كما إن لدى الشعوب الأخرى مذاهب دينية مختلفة وفي أحيان أخرى أديان مختلفة، ولكنها شعوب واحدة وقوم واحد، لذا علينا فقط أن ندرك هذا الأمر، وفي حالة معرفتنا بأن أسباب هذه التفرقة ليست بأننا شعب مختلف، بل فقط هي بعض الإختلافات في أوساط شعب واحد، له قومية واحدة.

الإرتباط شعورياً… لو راجعنا أنفسنا وجدانياً، لوجدنا بأن أي خلل يحدث في أي منطقة يعيش فيها أبناء شعبنا نشعر بأن هذا الخلل قد مسّنا إلى درجة معينة، وبالطبع بنسب مختلفة، وهذا يدل على أننا مرتبطون وجدانياً، وبهذا يمكننا أن نجعل هذه النقطة إيجابية نُفَعِّلُها أكثر من أجل الوحدة القومية، وأذكر مثال واحد، ليس للحصر، ولكنه إيجابي فعلاً وحدث أمام أنظار أبناء شعبنا في القوش وتللسقف، حيث قبل سنين، كانت هناك أفكار مناطقية مقيتة بين البلدتين كانت تؤدي أحياناً إلى الجدال وأحياناً أخرى تصل الى نزاعات بين شباب البلدتين، ولكن بعد ما حدث خلال إحتلال داعش لسهل نينوى، وسكن أبناء تللسقف في القوش لفترة معينة، وجد أبناء البلدتين بأنهم لا يختلفون عن بعضهم، بل وكانت النتيجة إرتباط إجتماعي قوي بينهم، وهذا دليل بأننا لا نحتاج إلى الوحدة بل نحن شعب واحد، ولكن ما نحتاجه هو تغيير أفكارنا لا أكثر.

الحل… نظراً لما توصلت إليه والجزء الأكبر منه ذكرته في السطور أعلاه، هو أننا نحتاج إلى تغيير طريقة تفكيرنا، وليس محاولة التوحيد، فلو توحد فكر الشعب فلن يكون هناك أي مجموعة أو جهة تستطيع أن تفرق بينه، وليس هناك أي سبب منطقي مقنع يجعلنا نتصور بأننا شعوب مختلفة.

لذا، وإن سمحتم لي، أود أن اوضح الطريقة الأفضل لتغيير وجهة تفكيرنا، وهي بفهم الأمر المطروح ومن هو الذي طرحه، وليس التسمية التي تذكر، فمثلاً، لو طرح حدث معين ضد شعبنا، فالمهم هو طرح القضية، وليس تحت أي إسم يُطرح، ونفس الأمر يجب أن يكون عند طرح الحل، أو شيء إيجابي، فمثلاً: لو كان هناك عنوان لخبر، لا سامح الله، يقول: تعدي على القوش السريانية، هل من المعقول أن نتصور بأن الإسم هو أهم من الحدث نفسه؟ هل من المنطق أن نهاجم الناشر على طرحه لهذا الإسم، مع إننا لم نذكر هذه المشكلة في أي مكان! فما المشكلة إذا كان هذا الخبر أنتج توقف التعدي على القوش، مع إنه طرح تحت هذه التسمية أو تلك؟ فالأهم هو إيقاف التعدي، وليس ما هو اسم القوش.

ومثال آخر: لو كتب شيء سيء أو معلومات خاطئة عن بغديدا مثلاً، يجب علَّيَّ كإبن هذا الشعب أن أرفض هذا الأمر، إن كان قد لقّب الناشر بغديدا بالسريانية أو الكلدانية أو غيرها، فالإساءة إلى إحدى مناطق شعبنا هي قضية أكبر للتوقف عندها من أن أتحدث عن التسمية!

ولو ذكر أحد حدث أو موقف جيد عن نهله، مثلاً، فأنا أفتخر بذلك، لأن نهله هي إحدى قرى شعبي، بغض النظر عن ماذا لقّبها، إن كانت آشورية أو سريانية…

ولكن ما أتوقف عنده والأهم هو أن تلقّب إحدى مناطق شعبنا بالعربية أو الكردية أو غيرها من القوميات الأخرى غير التسميات التي نستعملها داخل بيتنا القومي (كلداني سرياني آشوري)، كأن يقول: تللسقف الكردية!!، ليس تعنصراً، ولكن إذا قبلنا بذلك، فنتيجته تغيير الهوية القومية لمناطقنا، وبالتالي هويتنا القومية، وسينتج مثل ما حدث في الكثير من المناطق التي تم تغييرها ديموغرافياً، إن كان في العراق أو إيران أو تركيا أو سوريا!

أذكر لكم أمر حدث لي خلال سفرتي في ألمانيا، والتي صادفت قبل دخول داعش إلى سهل نينوى بنحو ثلاثة أسابيع، حيث ليلة دخول داعش إلى سهل نينوى، حاول البعض من أبناء شعبنا في المهاجر أن ينشروا الخبر وفعل ما بوسعهم لجلب المساعدة، وكان هناك خبر في قناة رسمية أوروبية، عنوانه (حسبما أذكر): “سهل نينوى فارغ من الآشوريين لأول مرة منذ آلاف السنين“… هذا الخبر نُشر بعد بذل جهد كبير من قبل مجموعة ناشطين من أبناء شعبنا للضغط على إحدى القنوات الأوروبية الرسمية، لأن الإعلام كان مركزاً على ما يحدث في غزة يومها، وفي اليوم الثاني كانت المفاجئة، حيث إستقبلت القناة العشرات من الإيميلات من مجموعة (سأسمح لنفسي أن أدعوها متخلفة) من أبناء شعبنا يهاجمونهم على ذكر كلمة الآشوريين!!! هل يعقل هذا؟ هؤلاء الذين أرسلوا هذه الإيميلات لم يحركوا ساكناً عندما كان أبناء شعبهم بأيدي أخطر قوة إرهابية، ولكنهم تحركوا عندما قرأوا تسمية أخرى مغايرة لأفكارهم! هل هذا معقول؟!

إن ما يمر به شعبنا اليوم يهدد وجوده قومياً، وبالتالي دينياً، لذا علينا أن نركز على هذه النقطة، وهنا أقول قومياً لأن ارتباط الشعب بأرضه هو أمر قومي وليس ديني، إذ يمكن لأي منّا أن يمارس مسيحيته في أي بقعة في العالم حتى لو لم تكن أرضه التاريخية، ولكن لا يمكن أن نحافظ على قوميتنا (المقومات الخمسة) في أرض أخرى أو في بلدان أخرى، لأن النتيجة دائماً هي الإنصهار القومي في الشعب الأكثر عدداً.

لماذا لا نقول مسيحي، وكما يقول البعض “تُحل المشكلة”؟

جملة تطرح في الكثير من الأوقات، على أساس أن المتحدث يحاول حلحلة الموضوع، ولكن هذا هو أساس المشكلة، وأعتبرها الطريق الأسهل للتهرب من زيادة معرفة المتكلم عن أهم نقطة مؤثرة في وجود شعبنا التاريخي، الجواب لهذا السؤال هو واضح للجميع، ولكن الكثير منّا لا يرغب باستيعابه، هناك مشكلة في ذكر المسيحي فقط، نعم، وكما ذكرت مسبقاً، نفتخر بكوننا مسيحيون، ولكننا لسنا فقط شعب ديني لا حضارة ولا تاريخ له، بل إننا الشعب الذي أسس الحضارة، وهو من كتب تاريخ العالم، وأسس المدن والعلوم والمعارف وكل شيء قبل أن تفكر الشعوب الأخرى حتى بالخروج من كهوفها! كل شعوب العالم لها هويتان، أحداها قومية، وأخرى دينية، ولا تتضاربان، والآن، حتى الهوية الدينية قد تلاشت في بعض المجتمعات، ولكنهم محافظين على هويتهم القومية، لأنها الهوية التي تتمسك بما أنت عليه، وما عاشه أجدادك، وترسم على أسسها مستقبل شعبك في أرضك، لذا يجب علينا أن نعي بأن الهوية الدينية وحدها ليست كافية لتعبر عن ماهيّة شعبنا، بل علينا أن نذكر هويتنا القومية معها، كونهما، وخاصة في الشرق الأوسط، تكملان إحداهما الأخرى. كما إننا لو نظرنا قليلاً إلى الماضي، سنرى بأن إنحصار أنفسنا بالتسمية الدينية قد فتح الطريق للشعوب التي تجاورنا وسياسات بعضهم العنصرية، فتارة يدعوننا عرب مسيحيون، وأخرى كرد مسيحيون! مع إحترامنا لهذه القوميات، ولكنني أقدم وتاريخي أعظم في هذه الأرض، وليس منطقياً أن أقبل بأي تسمية أخرى عدا التي ترتبط تاريخياً وحضارياً بأرضي التاريخية!

عذراً على الإطالة، ولكن هذا أمر له تشعباته الكثيرة، وحاولت أن أقلل عدد الكلمات بالممكن، وأعلاه كان المختصر لها…

وفي النهاية أعود لأوكد بأن ما يفرقنا ليست التسميات بل طريقة تقبلنا لهذه التسميات، لذا علينا أن نقف في خندق واحد معاً ونعرف من هو العدو الحقيقي لشعبنا ونوقفه عند حده، من أجل حرية وكرامة الأجيال القادمة، ومهما كنّا نركز على التسميات وليس اللب، لن يكون هناك يوم نستطيع أن نوقف عدونا الحقيقي من التعدي على شعبنا… ولكم مني أجمل التحايا

القوش – سهل نينوى