مستقبل سهل نينوى بعد عودة السيطرة الحكومية

 

 بهرا –  فادي كمال يوسف

 استعادت القوات العراقية الحكومية وحلفاءها من الحشد الشعبي، السيطرة على أجزاء كبيرة من منطقة سهل نينوى ذات الأغلبية المسيحية، واستطاعت تلك القوات استعادة مدينة الحمدانية “بغديدا” الاستراتيجية وأكبر مدن السهل، فيما يشتد الصراع حول قرية تلسقف وتعقبها ناحية لقوش التي شهدت استقرارا امنيا خلال السنوات الماضية خاصة وانها لم تسقط بيد داعش.

الحرب وتهجير العائدين

جرت أول مواجهة بين القوات الحكومية والبيشمركة الكردية على تخوم قرية تلسقف المسيحية، ما حمل شظايا هذا الاقتتال الى داخل القرية، فأفرز نزوح ثاني لمهجرين اقنعوا بالعودة الى قريتهم، السؤال الجدي المطروح، هل يمكن إعادة مرة أخرى لهذا النازح؟، وكيف يمكن إعادة الثقة بعودة غيره من النازحين؟، ومن غادر الحدود هل يتأكد يوما بعد يوم ان قراره اصبح اكثر صوابا من أي مرحلة؟.

اكثر القضايا خطورة في المواجهة والتي انعكست على الوجود المسيحي بالبلاد، هو سقوط مفهوم الاستقرار لدى ابناء شعبنا، والذي لم يعد مرتبطا بحالة شاذة وقتية كاحتلال داعش، فما تبين أن القوى الأخرى تعمل على المحافظة على وجودها والحفاظ عليه من خلال نقل الصراع الى مناطق ليس لهم وجود شعبي فيها، وهذا ما جعل مناطقنا ساحات قتال للقوى المتحاربة، فأصبحت محاولة  اقناع النازحين بالعودة امرا صعبا في كثير من الحالات خاصة في القرى والمدن التي شهدت ارضها صراع عسكري.

حفظ الامن بين الجيش والحشد

انسحاب البيشمركة والاجهزة الأمنية الأخرى من أغلب مناطق شعبنا، فأن هاجز الحفاظ  على الأمن ضمن المستوى الذي كان عليه قبل دخول  بواسطة تلك الأجهزة الكردية، ربما سيكون الاختبار الصعب الذي ستواجه السلطة الجديدة بالمنطقة.

من العوامل التي ستفتقدها القوات الجديدة وخاصة الحشد الشعبي، انها تعتبر الى حد كبير غريبة عن المنطقة كما انها لا تمتك بعدا ديمغرافيا قريبا يساعدها على مسك الأرض بالقوة التي كانت الأجهزة الكردية تبسطها، ومن جانب اخر فأن بيئة المنطقة الثقافية والدينية أيضا هي الأخرى تعتبر غريبة عن تلك القوات، من جهة أخرى لا يحبث اغلب أبناء شعبنا ان يستمر انتشار الحشد الشعبي في سهل نينوى، ربما للطابع الديني الذي يحمله والذي يخشى أن يفرض عليهم ويقيد الكثير من الحريات المكتسبة من الفترة السابقة.

من جانب اخر يتوجز ابناء المنطقة من احتكاك اخر قد يقع بين الحشد والقرى العربية المحيطة والتي تختلف مذهبيا مع تلك القوات، وأي اقتتال قد يحصل أو محاولات لزعزعة الأمن من خلال استهداف الحشد بهجمات إرهابية، فتكون مدت مثل بغديدا أو برطلة مسرحا لها، فتؤدي الى استمرار عدم الاستقرار.

تسليم الأمن لأبناء المنطقة

أولى خطوات الإيجابية التي يجب على الحكومة تنفيذها هي سحب الحشد الشعبي نهائيا من المنطقة، وأطلاق مشروع جدي لتمكين القوات المسيحية وبشكل خاص تلك التي شاركت في عملية التحرير ولها توجهات تدعم استقرار المنطقة وغير مرتبطة بجهات لها اجندات كردية أو مدعومة من قوى غريبة عن المنطقة، وربما كانت قوات حماية سهل نينوى (NPU)، والتي بأغلب منتسبيها من أبناء تلك المناطق، الأجدر بتسلم الملف الأمني بعد دمجها بالشرطة المحلية وتشكيل منها قوات امنية خاصة، بعد أن يتم تأهيل قيادتها وتوفير المستلزمات الخاصة لنجاح مهمتها، فيما يتم أعادة انتشار قوات الجيش العراقي خارج المدن لضمان حدود السلطة الاتحادية، وبهذا نكون قد أعدنا الثقة الكاملة لأبناء المنطقة للعودة مرة أخرى وضمنا بالوقت ذاته وجود قوى أمنية عارفة بالمنطقة ولها القدرة على التعامل الصائب مع أبنائها.

أعادة احياء مشروع المحافظة

أن سقوط حلم الدولة الكردية، وتراجع نفوذ الإقليم وخاصة على مناطق التواجد المسيحي في سهل نينوى، سيعيد وبقوة طرح مشروع انشاء محافظة سهل نينوى، وربما هذا التوقيت سيكون الفرصة الأخيرة والذهبية لأعاده احياء المشروع، ولسبب مهم جدا كون الخصمين المؤثرين والجارين للسهل الكرد من جانب وسلطة محافظة نينوى من جانب اخر هما في اضعف مرحلة سياسية لهم، فيما الجانب الذي تبنى المشروع في حينه وهو الحكومة العراقية هي الأقوى سياسيا وعسكريا، فيجب على القوى المسيحية المختلفة استغلال هذه اللحظة التاريخية وتثبيت دعائمه على الأرض وسياسيا وقانونيا.

أن احياء المشروع مرة أخرى، والنجاح في تنفيذه سيمثل نقلة نوعية للوجود المسيحي، فهي ستوفر العديد من العوامل التي تدفع بالكثير من اللاجئين والمهجرين وحتى بعض المغتربين بالتفكير جديا بالعودة الى مناطقهم، فمع الاستقرار الاقتصادي الذي يشهده العراق والتعافي التدريجي من الازمة المالية التي شهدها والتي تزامنت مع احتلال داعش ومع نهاية الأزمتين، فأن استقلال المنطقة ماليا عن سلطة محافظة نينوى وارتباطها مباشرة بالمركز سيمنحها تخصيصات مالية  هائلة كغيرها من المحافظات، والتي ستنفق من قبل أدارة تمثل أبناء المنطقة ما يوفر فرص جدية أطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية المنهارة أصلا، ما يوفر مئات فرص العمل والتي ستدفع بكل تأكيد لعودة الكثير من اللاجئين سواء من دول الجوار أو من المناطق القريبة في الإقليم.

تبنى المشروع كخطة موحدة

 رؤيا البطريركية الكلدانية التي جاءت في بيانها الأخير، والتي تمحورت في ثلاث نقاط رغم أهميتها الا انها لم تسر الى موضوع المحافظة، وربما كانت نقصا في فهم المشروع، فيما سقطت الحماية الدولية التي كانت تطالب بها القوى المسيحية مع الكنيسة نظرا للتطورات الأخيرة والتي أفرغت الساحة كما اشرنا من قوتين رئيسيتين هما الكرد وسلطة المحافظة، وابعدت في الوقت ذاته الكرد الى حد بعيد عن السهل وهو ما لم يكن متوقعا حتى الى فترة قريبة من السيطرة على كركوك.

البيان لخص مطالبه في اخراج السهل من الصراعات، ودمج القوات المسيحية بالجيش والشرطة، وحفظ الاستقرار، كما دعا القوى المسيحية لتبنى خطاب موحد، النقاط غاية في الأهمية رغم استبعاده المطالبة بمحافظة سهل نينوى والتي ربما تكون الاكثر أهمية للأسباب الي سبق ان اشرنا لها. ولكي لا يتحول البيان الى مجرد حبرا على ورق، فعلى البطريركية ان تعمل للأهداف التي أعلنت عنها وبالتنسيق مع الأحزاب والمؤسسات السياسية، فهو خطوة مشجعة الى الامام على الأحزاب تلقفها وخاصة التي لها تمثيل وازن برلمانيا وحكوميا، لتشكيل جبهة سياسية متراصة والبدء بطرح رؤيا يتبناها الجميع على مراكز صنع القرار، لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه على واقع الأرض، وعلى الجميع وضع مستقبل المسيحيين باللبلاد المقترن هذه المرة بفرصة تاريخية اذ اضعناها فبالتأكيد ستمثل نكسة أخرى تضاف الى مسلسل انتكاسات مسيحي العراق.