مختطف في العراق ..مذكرات سعد سيروب

زوعا اورغ/ وكالات

كان ذلك في العام 2001، عندما كان سعد سيروب حنا يتابع بحذر يشوبه الخوف، الصور التي كانت تبثها القناة التلفزيونية ويظهر فيها برجا التجارة العالميين في نيويورك وهما يحترقان وينهاران بفعل النيران. بعد فترة من الوقت، أخبر الكاهن المتدرب زملاءه من طلبة اللاهوت، اثناء فترة دراسته في ايطاليا، قائلا: “ان العالم سينقلب رأسا على عقب، والاميركان لن يسمحوا بذلك”.

الرجل الخطأ
بهذا الارتجاع الفني، وضع حنا، الذي رفّع الى رتبة المطران حاليا، المشهد الذي سيعاني منه بعد خمس سنوات تلت.
بطريقة سرد باستعمال الشخص الاول، يربط وبصورة حية الايام الـ 27 التي قضاها بعد تعرضه للاختطاف والتعذيب على أيدي احدى الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة ليضمها في كتاب مذكراته الذي حمل عنوان (مختطف في العراق: كاهن في بغداد) والذي صدر بـ 184 صفحة عن مطبعة نوتردام بالولايات المتحدة الاميركية بشهر أيلول من العام 2017 وساهم في الإعداد ادوارد أس
آريس.
حدث ذلك في العام 2006، وما تلاها من موجة الغضب الجارف والمدمر في اعقاب الحرب التي قادتها الولايات المتحدة لخلع حكم صدام وتدمير معظم البنى التحتية
للبلاد.
وبينما كان الكاهن الشاب يقود سيارته عائدا الى منزله بعد انتهاء مراسيم القداس وحضور الوليمة التي اقيمت بمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء، ليتفاجأ بظهور أربعة رجال مسلحين يأمرونه بالترجل من السيارة ويدفعونه بقوة على
الارض.
لم يكن حنا يعرف المسلحين؛ متيقنا من أنهم أمسكوا بالرجل الخطأ، لكنهم اثناء كيل الضربات والركلات له، وجهوا اليه تهمة التعاون مع
الاميركيين.
في تحرك بات مألوفا لدى الاشخاص المهتمين بالاقليات في العراق، وجد الكاهن نفسه ليس تحت رحمة مسلحين متطرفين فحسب، بل خذلان المجتمع الدولي له الذي كان بامكانه انقاذه. ففي اتصال هاتفي قصير سُمح لحنا باجرائه وهو معصوب العينين، سلم اليه جهاز الهاتف المحمول، وكان على الجهة الثانية أحد افراد قوات التحالف ليخبره قائلا: “ليست لدينا أوامر بتحرير الاشخاص من خاطفيهم”.
وفي مرحلة أخرى، سُلم حنا جهاز الهاتف وطلب منه التحدث الى عمانوئيل دلي، بطريرك الكلدان؛ (في حينه)، لكن عملية تبادل السجناء التي وعده بها الخاطفون لم تتحقق.

بستان جشيماني
غير قادر على رؤية محيطه؛ يوجه حنا الدعوة الى قرائه للذهاب معه في رحلته الداخلية: رحلة آمال بنيت ثم تحطمت، رحلة الثبات على إيمانه، رحلة القبول بالموت فيما يشبه بستان “جشيماني” (تعني المعصرة بالآرامية؛ موضع قرب جبل الزيتون حيث صلى السيد المسيح في الليلة التي سبقت صلبه)، واهتمامه بـ”طروقية الزمن” الى حد يقارب الهوس، التي شغلت تفكيره عندما جُرد من الرؤية
والحرية.
يغير المطران حنا من نهجه ما بين العنف السريع والمتطفل وبين فترات طويلة من العزلة والتفكير، التي كشفت عن عمق روحانيته لتضعها في المقدمة. بدت ذكريات حنا فلسفية وعبر عنها بطريقة أنيقة، ملونة لكن ليس بالمرارة بل باللافهم والشجاعة الذاتية اللاواعية. فقد أنسن حنا خاطفيه ملء استطاعته وإدارته قائلا: “لقد كانوا أيضا قلقين، هؤلاء الرجال، وتساءلت ما القادم”، مقدما الحل بقوله: “لا يجب الحكم على معتقد أحد ليكون أسمى من الآخر، بل يجب أن نرى أن بعض الاشخاص يمكن أن يجدوا مبررا للعنف باستخدام الدين، بينما يجده آخرون مبررا
للوحدة”.

اقتلاع الجذور
قصة المطران حنا ومعاناته المزدوجة من عنف متطرف يقابله خذلان الغرب، وهي حال مسيحيي العراق، وهو ما يفسر اعتقادهم بأن بلادهم لم تعد آمنة وأن عليهم البحث عن ملجأ في الخارج، ليضع مستقبل المسيحية في العراق مدار البحث.
كان حنا واحدا من بين العديد من القساوسة الذين تم استهدافهم خلال تلك الفترة، ولكن لم ينج الجميع منها، اذ يمكن القول بأن الضرر الدائم الذي خلفه خاطفو حنا لم يكن بالعنف الجسدي أو النفسي الذي يترك أثره  على الفرد فحسب، بل تعداه الى مسألة اقتناع الآلاف من العراقيين باقتلاع جذورهم من بلادهم واختيار الشتات في عموم انحاء
العالم.
ينهي حنا مذكراته باعادة نسخ نص البرقية التي أرسلها البابا بندكتوس السادس عشر الى البطريرك دلي التي يناشد فيها إطلاق سراح حنا، وبجملة يدرج فيها جميع المهام والادوار التي يقوم بها داخل وخارج العراق. لم تتم الاشارة الى المعهد الكهنوتي حيث عمل، وتم نقله بعد ذلك من بغداد الى كردستان بسبب حادثة الاختطاف التي تعرض لها، ولم يجب عن الاسئلة التي ظلت معلقة خلال فترة احتجازه ولم يذكر على الاقل بأنه لا يمتلك أجوبة لها: من هم خاطفوه؟ ولم لم يطلق سراحه بعد مهاتفته للبطريرك؟
وما هي تلك المفاوضات التي أدت بالتنيجة الى إطلاق سراحه؟
لكل شخص قد أغضبه العنف الدائر في منطقة الشرق الاوسط، او يتساءل عن أفضل الطرق للرد عليه، يخبرهم المطران حنا من خلال سرده لرواية اختطافه بشكل يجعلها مادة تثير القارئ وتشده في نفس الوقت.
*مجلة سايت الاسترالية

كان ذلك في العام 2001، عندما كان سعد سيروب حنا يتابع بحذر يشوبه الخوف، الصور التي كانت تبثها القناة التلفزيونية ويظهر فيها برجا التجارة العالميين في نيويورك وهما يحترقان وينهاران بفعل النيران. بعد فترة من الوقت، أخبر الكاهن المتدرب زملاءه من طلبة اللاهوت، اثناء فترة دراسته في ايطاليا، قائلا: “ان العالم سينقلب رأسا على عقب، والاميركان لن يسمحوا