لطفاً. يا أخي تريَّثْ

 

مارتن كورش تمرس *

 

صرخ الوطن بألم و وجع، كما تصرخ الأم الثكلى: يا أبنائي لماذا تتركونني وتهجرونني؟ أعلموا بأني بيت لكم ولازلت.. لطفا لا تحولوني إلى فندق.. يا…

قالت لي معلمة مدرسة الروضة في مدينة إسكلستونا- مملكة السويد؛ التي كنت قد سجلت فيها إبنتي، وأنا أخذها في أول يوم دوامها؛ بعد أن قرأت في تقاسيم وجهي علامات الحزن:

– أعلم أيها الرجل أن مملكة السويد ليست جنة

– صمت ولم أنطق بحرف واحد! بل قلت في نفسي: أن مشكلتنا نحن أبناء بلاد النهرين نبحث عن راحتنا خارج أرض وطننا. نظن أن السعادة تأتي برحيلنا إلى خارج وطننا! مقنعين أنفسنا بأن فرصة صناعة السعادة لم تتح فرصتها لنا لذلك لا محالة أن تتاح لنا في بلاد المهجر، كأننا على أرضه سنعيش في الفردوس! متناسين أن لا فردوس على الأرض بل في السماء (فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.)”لوقا23: 43″.

من يقدر أن يضمن سلامته من الأضطهاد والظلم؟ من أمن على حياته حتى ولو عاش في قصر من العاج ومبني من كونكريت مسلح؟ من ضمن حياته وهو يعيش في آمن مكان على الأرض؟ ها هم مواطنو دول أوربا يتعرضون إلى الدهس والطعن بالسكاكين.. قد تصل أيها المهاجر إلى بلد المهجر وتنال العديد من الإمتيازات لكن ثمنها هو خسارتك لكل ما كنت تملكه في بلادك، ستفقد أصدقائك، أهلك، عشيرتك، مهد طفولتك، قد لا تتكلم حتى بلغتك وقد تعيش بعيداً عن كنيستك… والخ.

لن تحتاج إلى مال لكنك ستحتاج إلى أصدقاء. لن تخاف من أن أحدهم قد يقتحم بيتك لكنك لن تقوى على منع القلق والحزن عنك.  ستقضي معظم وقتك لوحدك أو في البيت مع زوجتك. ستكون أمام  مشاكل جديدة لا تعرف لها حلاً. يا ريت لو كنت أقدر أن أقدم لكل من يسعى للهجرة قائمة تضم العديد من المشاكل التي سيواجهها ومعظمها عويصة لن يقوى على حلها.

لكن لا أحد يصدق! فلو سكت الزوج تنبري الزوجة تحثه على الهجرة والعكس هو الصحيح. قد تكون هناك مبررات أو محفزات للسفر لكننا نقلبها إلى هجرة دائمية ونحن ننعت الوطن بما لا يستحقه. متناسين أن الوطن بريء من كل الذي وقع أو يقع لنا على أرضه.

بحيث لا يعرف الواحد منا قيمة بلده إلا عندما تطأُ قدماه أرض بلاد المهجر. عندها لن ينفع الندم والتباكي! لكي لا تصل يا أخي إلى ما وصله من سبقوك، عليك التريث ثم السؤال والأستفسار من بعض الذين سبقوك. أكيد ستجدهم نادمين على ما فعلوا.

ثم لماذا العجلة في إتخاذ قرار الهجرة؟ والشروع ببيع الغالي قبل الرخيص من أجل سلوك طريق المجهول وقد سلمت حياتك وحياة عائلتك بيد مهرب لا ضمير له. قد تجيب مستعجلاً:

– لا داع كي أسأل! لأني  ما عدت أتحمل العيش.. يجب أن أهاجر! كأنك بهذا تردد قول الذين سبقوك.

أنك بهذا تقلد غيرك الذي غرق في حزن المهجر ولا يحكي لك لأنه يخجل مما أرتكبه بحق نفسه وعائلته بل يكتفي بإبتسامة صفراء  حزينة. اذا إلتقيته في بلد الهجرة، أول سؤال سيطرحه عليك هو :

– لماذا تركت الوطن؟

:تسأله نفس السؤال؟ قبل أن يجيبك يطلق حسرة طويلة:

– لم أسمع نصيحة الذين سبقوني. يا أخي في الوطن أجعل من هذه المقالة نصيحة. فكر. تريث. أسأل. ثم… ثم لك القرار.

 

* محامي وقاص.