كوتا الأقلية وصراع الأكثرية

نيسان بيغازي

1 – رغم ما اكتنف العملية الانتخابية البرلمانية التي جرت في الوطن في الثاني عشر من ايار الفائت من تجاوزات وشكوك في التزوير والتاثير على خيارات الناخبين وتعثرات في الاداء التنظيمي وفساد في المراكز الانتخابية في الداخل ودول المهجر، لكن يمكن ان يقال عنها بانها افرزت فرصة ثمينة لابد من استغلالها لتشكيل نواة لمعارضة ناشئة مدعومة من الجماهير التي كان لمقاطعتها الذكية لهذه الانتخابات دورا فاعلا في ابراز ملامح هذه المعارضة واجبرت بموقفها هذا الاحزاب الكبيرة والمتباهية على الانقسام والانشطار فيما بينها وارغمتها على وجوب التقارب والائتلاف مع الاحزاب والكتل الاخرى لكي لا تفشل في تشكيل الحكومة المرتقبة كما ان هذا الموقف التاريخي للجماهير فضح زيف الديقراطية المزعومة والقائمة اساسا على حكم الاحزاب بواسطة الاحزاب ولاجل الاحزاب وليس حكم الشعب بواسطة الشعب ولاجل الشعب.

ان المعارضة الوليدة التي ينبغي تشكيلها سواء كانت صغيرة ام كبيرة لكنها توحي باحدث تغييرات نوعية في المرحلة المقبلة تكون مؤشرا سليما لتأطير المعالم الايجابية لها وذلك باستخدام ادوات العمل السياسي مبنية على المفاهيم العصرية في التعامل وحكمة في التصرف واحترام الصوت المعارض المنصف كمراقب وراصد ومقيّم للاحداث وليس المتلصص والمتربص بهدف التشهير والتشفي لكي تكون النتائج حافزا للنجاح وعاملا للتطويرنحو الافضل لان المعارضة الفاعلة هي البوصلة التي تشخص اتجاهات ومسار عمل مؤسسات الدولة الرسمية او الحكومة من انجاز او اخفاق والمرأة التي تعكس حقيقة هذين الاتجاهين للرأي العام سواء بالسلب او الايجاب وهذا وبرأي المتواضع ما يجب ان ينشده الجميع من اجل الصالح العام .

2 – اما ما يتعلق بابناء شعبنا في هذه الممارسة الحضارية فانها تذكرنا للاسف بالانتخابات الثلاث المنصرمة ان لم تكن اسوأ منها من حيث التجاوز والسطو على الكوتا بدأت من قبل الاخوة في الاحزاب الكردية في الانتخابات الاربع الماضية ثم تطور الامر في الانتخابات الحالية لتسرق ايضا من قبل الاخوة في الاحزاب الشيعية ولا ندري ما تخفيه لنا انتخابات عام 2022 ويدخل على الخط الطرف الثالث في المعادلة وهم الاخوة من الاحزاب السنية لقضم الصوت الوحيد الذي يملكه مكون شعبنا وعندئذ يكتمل الضلع الثالث لمثلث الموت الذي تم رسمه من قبل الاضداد المتنافسة لدفن الكوتا وعندها سنهتف باعلى اصواتنا ( تحيا ديمقراطية الكبار).

3 – الغريب والعجيب في الامر ان تستكثر الاحزاب الكبيرة اقرار هذا الحق الشرعي وكأن في منح هذا الحق تكمن المعضلة المستعصية لحل وفك رموز المشكلة الوطنية العراقية وهذا تجني وتهميش لشريحة وطنية اصيلة قليلة العدد لكنها فعالة وكبيرة في امكانياتها وغنية في موروثها الحضاري ومحبة لارضها ووطنها ومسالمة مع الكل ، ولماذا لايعتبر اقرار هذا الحق انجاز ايجابي للبرلمان العراقي وللدستور الذي شاركت في صياغته جميع الاحزاب والكتل تتجسد فيه معالم الشراكة والديمقراطية والتساوي في الحقوق وقبول الاخر؟ لكن ان يتم تسويفه وتسخيفه من قبل المرعوبين من عملية التغيير والمصابين بمرض الطغيان فهذا تاكيد على ان الديمقراطية المزعومة لايمكن ان تمارس في ظل الهيمنة العددية ووجود مؤسسات قوى الامر الواقع التي ترغم للقيام بخيارات مؤلمة لان الانقسام السياسي في العراق التعددي هو انقسام طائفي – عرقي – ديني وبالتالي فان الديمقراطية المعتمدة لديها يمكن ان تتحول الى وسيلة قهر تمارسه الاكثرية على من هم دونها عددا.

هذه الالية في التعامل مع الكوتا محكوم عليها بالفشل ويجب ان يصار الى ايجاد آلية جديدة تنسجم مع مفهوم الكوتا وتعمل على صيانتها واحترامها كأن تفتح سجلات خاصة بالمكون المشمول ومراكز انتخابية وصناديق خاصة به وليفوز من المرشحين من يفوز، والظاهر ان مفوضية الانتخابات والفريق الدولي غير آبهين لمسألة الاقليات ومصادرة حقوقها اما بسبب قوة الصراعات الموجودة بين الكبار او انها عاجزة عن ايجاد آليات مناسبة للكوتا وهذا ليس بالمعقول او انها مسيرة وفق لمصالح معينة وهو باعتقادي اكثر الاسباب ترشحا، وكان لسماح المفوضية والفريق الدولي للمساعدة الانتخابية وباسم الديمقراطية والتعايش المشترك ونبذ العنصرية بحرية الادلاء بالاصوات واعتبارها كوتا عامة مفتوحة كان افراغا لمحتوياتها وخصوصيتها ، وهنا نتساءل،

هل تسلقنا الى مستوى متقدم من الثقافة الانتخابية والوضع المريح في الحالة السياسية والاوضاع المستقرة بعد تجربة لاربع ممارسات انتخابية بحيث ان الناخب العراقي استطاع وبمحض ارادته وبغض النظر عن قوميته ودينه ومذهبه او كان من الاكثرية او الاقلية ان يختار فعلا المرشح الاصلح والاكثر كفاءة ونزاهة وعلى اساس الحس الوطني ليمثل الجميع في البرلمان ومجالس المحافظات بعيدا ان انتماءاته الفرعية ؟ وهل استطعنا او فكرنا خلال السنوات الثقيلة المنصرمة من محاولة تطهير ذاتنا من العقد المتأصلة فينا ؟ وهل تمكنا من ازالة ولو القليل من التكلسات المتراكمة في عقولنا تمهيدا للولوج الى الخطوة المباركة الاولى على طريق الانسجام على اساس الانتماء الوطني؟ ام اننا زدنا تعقيدا وتحجرا وتمسكنا بانتماءاتنا القاتلة .

4 – المؤلم في هذه الانتخابات والذي ننتقده هو ان يصار وبهذه العلنية المخجلة الى استغلال ضعف الكوتا الممنوحة والغير محمية لغرض دعم قوائم في الكوتا لاهداف سياسية ومن قبل قوائم كبيرة في محاولة لاضعاف وتعطيل العقل الجماهيري للكوتا وعرقلة للجهود التي تبذل من قبل الصادقين السائدين من اجل الكف عن ترخيص لقدرات ابناء شعبنا بكل تسمياته وتمزيق لامكانياتهم في التعبير الحر عن ذاتهم من خلال ممارسات مدفوعة لبعض مسلوبي الارادة من المكون ذاته التابعين والغارقين في النفعية والتعامل الدائم مع الاقوى الموجود يعيشون في حالة التيه والتردد متوهمين في امكانية الاستمرار في كسب المواقع لافتقارهم الى العقل العملي الذي يكتسب الخبرة من حقيقة الواقع الذي تمثله جماهير الكوتا التي دخلت مرحلة التضج الفكري وراحت تدرك ما يدور حولها من خفايا الامور.

الكاتب العراقي المعروف الاستاذ  نزار حيدر  وفي مقال له في 8 صفحات تحت عنوان (الاقلية في العراق .. اكثرية ) منشور في مجلة نجم بيث نهرين التي يصدرها المركز الثقافي الاشوري في دهوك    ( المجلد الرابع عشر العددان 2 ، 3 كانون الاول 2008 نستل الصفحة الاخيرة منه لعلاقته بموضوعنا هذا بعد الاستئذان من كاتبنا الكبير يقول : ( … اما محاولات البعض مصادرة تسميات الاقليات بحجة انتماء هذا المسيحي الى حزبه او ذلك الشبك الى تنظيمه فهذا نوع من انواع الضحك على الذقون لوكان الامر صحيحا وسليما فهل سيقبل الكرد مثلا تطبيق الحالة على انفسهم اذا حاول الائتلاف           ( الشيعي ) ذلك بحجة ان في صفوفه من هو كردي ؟ وهل يقبل السنة بذلك لو حاول التحالف الكردستاني فعل الشيء نفسه معهم بحجة ان في صفوفه من هو سني ؟ وكذلك الشيعة لن يقبلوا بالامر اذا حاول التحالف الكردستاني او جبهة التوافق فعل الشيء معهم لماذا ؟ لأن كل كتلة تدعي بانها الممثل الشرعي الوحيد لشريحتها الاجتماعية اليس كذلك ؟ فاذا كان الامر صحيحا للكبار فلماذا لا يكون صحيحا للاخرين ؟ ان اي مسعى لمصادرة حقوق الاخرين وباية حجة كانت هو التفاف على الحقيقة ومحاولة غير ديمقراطية وغير دستورية للالتفاف  على حقوق الاخرين الى ان نتجاوز الاحتقان الديني والطائفي والقومي ( السياسي ) وعندها فلكل حادث حديث ويستطرد الكاتب بالقول  اتمنى ان يعمل الجميع من اجل عراق خال من التوصيفات غير السياسية لاكثرية والاقلية عراق ليس فيه الا اكثرية برلمانية واقلية برلمانية قابلتان للتغيير عند كل استحقاق انتخابي ، وبذلك سنكون قد اقتربنا اكثر فاكثر من جوهر الديمقراطية ، التي لا تفهم معنى للاكثرية الدينية ولا للاقلية القومية او ما شاكلها من توصيفات غير سليمة) .

5 – نستطيع القول ان مفهوم الاكثرية والاقلية مسألة نسبية لان الكل صغير وقليل ويختفي امام كبر وعظمة الوطن وقدسية المواطنة وقد تكون الاقلية اكثرية والاكثرية اقلية بحسب النوع وليس الكم وبدلا من ان تحمي الاكثرية صورتها وسمعتها امام العالم المتمدن من خلال ضمان حقوق الاقلية في اتجاهين الاول تكريما لماضيها الحضاري الاصيل باعتبارها رمزا للحضارة الوطنية العراقية والثاني احتراما لحاضرها المتواصل في العطاء والاخلاص . لكن نجد ان الاكثرية في العراق تزيد من خيبة امل الاقلية وتستنكر لا بل تسرق هذه الحقوق وتستخف بقدراتها النوعية وتضع العراقيل في طريق تنفيذها الا بالمقدار الذي يرضي ويقنع من وضعها فلمن نشكو اذا كان خصمنا القاضي  ؟ حتما هكذا تصرف يدفع بدون شك الاقلية المضطهدة والمقصية باتجاه اجباري للاستغاثة بالعالم الخارجي والمحافل الدولية التي تولي للمفاهيم الانسانية وحقوق الاقليات اهمية مقدسة لتقوم بالدفاع عنها وحمايتها من جور وظلم ابناء وطنها حفاظا على حقها في الوجود و الحياة الكريمة.