في العراق تشابه حوادث اليوم بالتي جاءت بالامس

نيسان بيغازي
المتتبع للتاريخ السياسي لانظمة الحكم التي تبؤت مقاليد السلطة في العراق ابتداءاً من الحكم الملكي مرورا بالجمهوري وصولا الى النظام البرلماني ، لا يجد الا تشابها عجيبا غريبا في تكرار واجترار للكوارث والمصائب المأساوية  التي حلت بالبلاد ومكوناته المختلفة ، فكان لتقاسم المواقع والمراكز بين رجال الحكم وتعشعش آفة الفساد وخروج اللاعبين السياسيين عن الاطار البرلماني وعدم احترام التنوع وتحقير الاخر والتعالي عليه هي السمة المشتركة التي افقدتهم الرؤية الوطنية لبناء العراق وفق اسس قوية وافرزت وضعا متحجرا توقفت عنده عجلة التاريخ وفقد الزمن فيها عناصره الثلاثة ليصبح العراق ماضٍ بلا عبر وحاضرا بلا اعمار ومستقبل بلا ثمار فاستحالت العدالة في الحكم وغدت فارغة من محتواها الوطني والانساني ما دامت الانتماءات الثانوية التي استغلت ببشاعة وافرغت من محتواها المقدس تطغي على الانتماء الوطني الاسمى بشكل واضح فكان لكل حكومة تسلقت زمام السلطة خطتها في تعطيل نصوص الدستور عمليا وليس بشكل رسمي معلن ، فتكم الافواه وتمنع الحريات وتضغط على الاقلام وتفتك بالمعارضين لها حفاظا على مصالحها ومنافعها الشخصية ، ومثل هذه الحكومات السلطوية لايمكن ان يكتب لها النجاح ولا بد من انها زائلة لا محال والتاريخ شاهد على ما نقول ، لان كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة في العراق المنكود الحظ اتت بالعنف المفرط والانقلابات  حاملة معها الوعود المعسولة والاماني الوردية للشعب ثم لا تلبث ان تذهب بالطريقة ذاتها التي جاءت بها الى السلطة من غير ان تترك عملا صالحا لشعبها سوى ارثا ثقيلا من ساحات دسائس وتآمر وانقلابات وقتل وانتقام ودم ودموع وبهذا اشتدت الازمات ووجدت الجماهير نفسها امام اهمها وهي الازمة الاخلاقية التي اصبحت في موقع مثار للقلق والخوف على مصير البلد ومستقبل شعبه دون ان يكترث متصدري القرار بهذه الناحية الاخلاقية سواء فسدت ام فقدت وانما اعتنوا فقط باطالة بقائهم في المناصب بغض النظر عن مساوئ الوسائل المتخذة وتاثيرها على الحياة اليومية للمواطن .
ان الغايات السيئة ستبقى مادام الفساد في البلاد بات شريعة وليس استثناء من دون ان يتخذوا عبر ودروس من اسلافهم السابقين بسبب نكران الحقائق واصطناع الباطل بينما الرأي العام الشعبي مفقود ومكبوت وهذه من اكثر الطبائع المحدقة في التاثير على الاوضاع العامة فعدم التجانس زاد بروزا بسبب المحاولات المستميتة للحفاظ على التفوق الطائفي وحمايته وهذا ماشجع الطوائف على الدخول لحلبة الصراعات الاقليمية والدولية لانقاذ نفسها من الانهيار وانهارت بسببها المشاعر الوطنية نتيجة لتجاذبات الاطراف الخارجية المتنازعة فيما بينها للفوز بالعراق وكان سببا اضافيا في خلق مشكلة مركبة زادت من عوامل التصدع  في البنية الاجتماعية وبالتالي العجز في ايجاد حلول متفق عليها للاوضاع الشائكة التي مزقت وتمزق بصورة يمنع معها التقارب المجتمعي واستحالة تطبيق وممارسة ما سموها بالديمقراطية ، فكيف يراد ان يطمأن الجمهور على حرياته وحقوقه التي كفلها له الدستور اذا فقدت الدولة استقلاليتها ازاء الطوائف؟ ومن المستحيل لا بل من العبث ان يصار كما يريد البعض الغارقين في وحل التعصب والتزمت الى صهر مختلف القوميات والاديان والطوائف في اطار مجتمع واحد وبطبيعة ولون واحد متناسين ان العراق هذا هو تكوينه وبنيته التعددية وهي حقيقة تاريخية ينبغي الاعتراف بها واقرارها لانه بات جليا لكل العراقيين بان الطوائف اتخذت الصبغة السياسية نهجا لها منذ نشأتها لاكتساب الشرعية من الطائفة  وان خلافاتها ليست بفعل الاختلافات الطائفية الموروثة  فحسب وانما هي خلافات مسيسة طائفيا تجذرت في الواقع العراقي دفاعا عن الطائفة وحرصا منها للمحافظة على وجودها رغم ان الحل الامثل للحالة العراقية تبنته القوى المتصارعة ذاتها في الدستور العراقي القائم منذ (15) سنة وهو النظام الفدرالي كحل لمعضلة تعايش المجتمعات ذات الطبيعة التعددية ، هذا النظام الذي يمنع انفجار هذه المجتمعات تحت تاثير القوى السياسية الطائفية المتصارعة في داخلها ، عليه ان مشكلة تعايش الطوائف القديمة الجديدة في العراق وفي اطار دولة واحدة موحدة يمكن تحقيقها في ظل النظام الفدرالي الديمقراطي المحجوز حاليا اذا ما توفرت النيات الحسنة في اطلاق سراحه وتوفير الرغبة الصادقة في التعايش الايجابي وفق لغة ثقافية متوازنة عقلانية، لان هذا النظام الذي يتصف باللامركزية في ادارة الحكم يفسح المجال امام الطوائف للمشاركة في السلطة وبصلاحيات ذاتية في مناطقها وتعمل على عدم التصادم ومحاولات سيطرة طائفة على اخرى وقهرها او احتكار السلطة من قبل طائفة او مكون واحد وهو بالتالي ضمانة لوحدة الوطن ارضا وشعبا .
وصدقت الحكمة القائلة :  في بلدنا يتصارع من لا يستحق حول من يحكم
ويموت من يستحق لانه كان بالوطن يحلم