في الذكرى السنوية الرابعة بعد المائة لمجازر سيفو 1915، الاعتراف بالمجازر الآشورية بيـن العلاقات النفعية والمفاهيم الانسانية

نيسان بيغازي

رغم مرور هذه المدة على مجازر سيفو 1915 وتأكيدات الامم المتحدة على حدوثها واعترافات من دول ومنظمات دولية رسمية تتزايد يوما بعد آخر ومنها جمعية حقوق الانسان التركية فان تركيا لاتزال تنكر حصولها وتنأى بنفسها عن مسؤولية ما حدث مدعية بان ما حصل من مذابح وهجرة للاشوريين كان للاسباب التالية :

1 – الاضطرابات التي رافقت الحرب والحصار الاقتصادي :

الذي فرض من قبل الحلفاء على تركيا تسبب في حصول مجاعة وهجرة جماعية لهم، والحقيقة لم نسمع او نقرأ عن شعب يهاجر وطنه ويترك ممتلكاته ومواشيه بمحض ارادته لينجو من خطر المجاعة بالهجرة الى بلد اخر يعاني من مجاعة اسوأ ما لم تكن هناك قوة قاهرة  ارغمته على ذلك ، لكن ما ارغم الآشوريين للهجرة هو القانون العثماني المستند الى التفرقة العنصرية فهم لم يهجروا وطنهم طواعية بل مرغمين مكرهين للتخلص من موت محتوم وابادة محققة ليس بسبب مجاعة بطونهم بل من مجاعة السيف العثماني المصنوع في المانيا ونهمه للدم الآشوري خاصة بعد القرار الذي اصدره طلعت باشا القاضي بتنظيف وتطهير البلاد من الاقوام الغريبة الغير المسلمة واستغلال فرصة الحرب الكونية الاولى لتحقيق هذا الحلم .

2 – الصراع الاثني بين الاكراد والاشوريين :

يقول المؤرخ والاكاديمي الكبير د. هرمز ابونا بهذا الشأن وفي المجلد الخامس من اطروحته المعروفة (القبائل الاشورية المستقلة في تياري وهكاري) الذي يقع في 12 مجلد بأنه لم يكن هناك عداء يذكر بيـن الاكراد والاشوريين في بداية الشروع باستيطانهم من قبل تيمور لنك  ( 1370 – 1405 ) الى الشرق من ولاية اكاري الآشورية وذلك مكافئة لهم على دعمهم له في حروبه فاقيمت امارة اكاري المشتركة في الادارة بين الاثنين ولا حتى مع الاكراد الذين اضطهدهم الشاه اسماعيل الصفوي الذي اراد فرض التشيع عليهم فهربوا الى تركيا وتم اسكانهم في اكاري ايضا عام 1514 لا بل تعززت العلاقة بينهما حين شعروا بخطر وجود اعداء لهم من الشرق ايران ومن الغرب تركيا ، لكن الامور تغيرت بعد احتلال قلعة دز من قبل دولة الخروف الابيض ( 1467 – 1508 ) ولم يكن في مقدور الاكراد من حماية المنطقة واظهروا ضعفهم في الدفاع عنها لكن الاشوريين استطاعوا من معالجة الموضوع واستعادة القلعة من الاعداء ، وتكرر المشهد ثانية في عهد نور الله بيك الذي قام بتسليم امارة راوندوز عام 1836 وحقوق السيادة في امارة اكاري الى الاتراك لقاء ضمان مركزه لديهم مما تسبب في سقوط الامارات المستقلة الكردية وبعدها  لعب الاتراك والمبشرين وبدعم من الانكليز لعبتهم لخلق عداء بين الاشوريين والاكراد وباسم الدين بادعائهم تحمل مسؤولية حماية رعايا الدولة العثمانية من المسيحيين فتحالف الاكراد مع الاتراك لمهاجمة عدو مشترك اعتبر ملحدا ، كما استطاعوا ايضا من تحريف انتفاضة الاكراد بقيادة بدرخان عام 1843 ضد الاتراك الى مهاجمة الاشوريين وانهاء استقلالية  اقاليمهم وارتكاب المجازر المعروفة بحقهم .

3 – خيانة الآشوريين لوطنهم:

في الواقع لم يكن وقوف الاشوريين الى جانب الحلفاء في الحرب الكونية الاولى ضد بلدهم بقدر ما كانوا ضد ممارسات السلطة الحاكمة وتعاملها السيء مع الاشوريين والاقوام الاخرى . سواء في داخل الامبراطورية او خارجها في اسيا واوروبا هذا التعامل المتعالي خلق عداء تاريخي ولقرون طويلة بين هذه الشعوب والسلطة العثمانية فكانت لتجربة التعايش مع سلاطين آل عثمان ان افرزت حالة عدم الثقة لدى الاشوريين مع السلطة . التي ظلت عاجزة عن حل خلافاتها معهم ولم تحترم قواعد الاختلاف بل تسترت عليها لتعزيز العنف والمشاحنات ضذ هذه الاقوام غير التركية نصرا لهويتها القاتلة وتعاملت معهم على اساس الثأر والانتقام وترسيخ قدسية الباشوات وسلاطينها بدلا من ترسيخ قدسية الوطن والمواطنة.

ولنتساءل هل كانت مطالب الارمن وانتفاضة الاكراد وانقلاب تركيا الفتاة وانهاء الخلافة والمجيء بالعلمانية وانبثاق الجمهورية التركية ضد الوطن ام السلطة ..؟

نعم برهن الآشوريون حبهم لبلدهم حين ساندوا ثورة تركيا الفتاة عام ( 1905 -1907 ) والتي جاءت بمبادئ جديدة ادعت فيها منح الاقليات حكم ذاتي في مقاطعاتهم لكنهم سرعان ما انقلبوا وعادوا الى سياسة التتريك واخلاء البلاد من الغرباء، وبعد نزوحهم الى العراق طالبوا بريطانيا باعادتهم اليه مقابل التحالف معهم ضد الحكم التركي لكن جوبهوا بالرفض ولا زالوا متلهفين لارضهم التاريخية في جبال آشور والجزيرة النهرينية .

الا ان المعطيات الحقيقية للتمهيد للمذبحة تكذب ما ساقته تركيا العثمانية من مبررات لتبرئة ذمتها من الدم المسفوك غدرا لان الجريمة كانت ممنهجة ومعد لها مسبقا وفق التنسيق الثلاثي الذي جمع بين الدور السياسي الخفي للتبشير التخريبي الغربي وبمشاركة قوات كردية غير نظامية وبعض الاغوات مجبولا  بالعنف الديني للسلطة العثمانية ،كان مهد الطريق للاضطهاد الاعظم الذي مني به شعبنا الآشوري في اورمي وتياري واكاري وطور عبدين حين اعدت له السبل الضامنة لانجاحه وباساليب غير شرعية لخلق الذرائع والحيل للشروع بتنفيذ عملية التطهير العرقي المنظم واقتلاع جذور السكان الاصليين من ارضهم التاريخية.

التستر الدولي على المذابح :

رغم ان المذابح الاشورية معروفة بشكل معمق لدى اوروبا خاصة بريطانيا وفرنسا لعلمهم بتفاصيلها الدقيقة بما يملكونه من خزين هائل من التقارير والوثائق والمراسلات الرسمية حول حقائقها الا انها ظلت تتعامى عنها وبقيت ولا تزال في طوق التستر والاهمال وذلك لسببين :

1 / العلاقات النفعية الدولية:

من الطبيعي ان تبني الدول علاقاتها مع بعضها في مجالات شتى لاسيما في ظل العولمة التي اجتاحت عالمنا اليوم فقربت المسافات من خلال الطفرات في مجال تكنولوجيا الاتصالات والترابط في الاقتصاد وتشابك في الاسواق لكن بناء مثل هذه العلاقات وفق قاعدة الاستغلال والاحتكار والهيمنة الاقتصادية والتطويع في ظل نظام السوق القاسي ادى الى خلق ردود افعال عنيفة وتصادم في المصالح وفرض عقوبات وتصعيد في المواقف ومثل هذه العلاقات التي لا توجد لها قواعد ثابتة بسبب الاختلافات في الاجندة السياسية  القائمة على الهيمنة والمصالح الاقتصادية والبحث عن المزايا وفق المبدأ النفعي المتأرجح بين التعاون المشترك أو الدخول في صراعات وما يتمخض عنهما من مواقف سلبية تصل احياناً الى القطيعة لابل  وفضح المستور بين المتصارعين في حلبة النفعية وقد لا تعود هذه العلاقات الى  سالف عهدها وان عادت فبحرب اخرى وهي حرب الشروط والمقايضة وعلى سبيل المثال:

1 ) –  في اب 2013 وقعت مصر على الوثيقة الدولية للاعتراف بمجازر الارمن عام 1915 كرد فعل ضد تركيا التي تعارض بشدة

الانقلاب العسكري ضد الرئيس المخلوع مرسي لكونه من الاخوان المسلمين المدعوم من قبل تركيا.

2 )- الاتحاد الاوروبي الذي تروم تركيا الانظمام اليه يوافق في نيسان 2015 على قرارمشروع يدعو الى الاعتراف بمجازر الارمن وهي

رسالة الى الظاهرة الاردوغانية او العثمانية الجديدة بانها لم تعد تشكل النموذج المثالي للاعتدال الاسلامي للحزب الحاكم في

تركيا ولا يمكن ان تقبل به الدول الاوروبية العلمانية اضافة الى سياساتها السيئة في داخل و خارج تركيا وتدخلها في الشؤون

الداخلية للدول المجاورة وفرض نموذجها الاستعلائي عليها.

3 ) – العلاقات الروسية  – التركية تصدعت سواء كانت سياسية او اقتصادية على اثر اسقاط طائرة حربية روسية من قبل تركيا في  سوريا في (ت2 ) 2015 .

4 ) – المانيا اغلقت سفارتها في انقرة وقنصليتها في اسطنبول وفي حزيران 2016 شهد تصعيدا في الموقف الالماني تجاه الحليف

التركي المدلل حين صوت برلمانها على قرار الاعتراف بالمجازر اليونانية والارمنية والاشورية عام  1915 والرئيس التركي يتهم المانيا بالنازية .

5 ) – العلاقات التركية الامريكية شابها التوتر على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز 2016 ومطالبتها بتسليم

الداعية غولن المقيم في امريكا لاتهامه بالضلوع في المؤامرة ، لكن امتناع امريكا عن تسليم المطلوب دفع اردوغان للسفر الى

موسكو شخصيا ليعلن اعتذاره وندمه امام الرئيس بوتين بشأن اسقاط الطائرة الروسية  كرد فعل تجاه امريكا .

6 ) – البرلمان الايطالي صوت في العاشر من نيسان الجاري 2019 لصالح الاعتراف بالمجازر الارمنية بأعتبارها ابادة جماعية التي نفذتها السلطات العثمانية عام 1915 والرد التركي معروف سلفا .

 

2 / المفاهيم الانسانية :

كان لطغيان العلاقات النفعية في التعامل الدولي اثره السلبي في تحييد وابعاد موضوع المذابح عن المفاهيم الانسانية لتبقى رهينة صراع المصالح بين الدول والتي تمنع الضغوط على تركيا للاعتراف بها وظلت في ضياع وغياب تام عن نزعة انسانية الانسان لدى المجتمع الدولي المتمدن الذي وضع القوانين واللوائح والمواثيق الدولية التي تمجد وتحترم وتقدس وتحمي حق الانسان في الحياة والامان كحق مكتسب وملزم قانونيا وليس امتياز ممنوح وهو شامل لكل البشر لا يقبل التجزئة بحسب الاهواء والموازين الانتقائية .

ورغم الالتزامات الطنانة الواردة في لائحة حقوق الانسان العالمية وفي اعلان الأمم المتحدة الخاص بشأن اقرار حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007  الا انها حرمت الكثير من الشعوب المضطهدة ومنها شعبنا الاشوري ذو الجذور والحضور في أرضه التاريخية من ممارسة هذا الحق لانه كان ولا يزال من ضحايا الاضطهاد والتهجير الاجباري لاسباب عرقية ودينية ليس فقط في مذابح سيفو 1915 بل في المذابح التي تلتها في سميل – صوريا – انفال – سيدة النجاة – التهجير القسري لاهلنا في الموصل وبلدات سهل نينوى وقرى التلول في خابور / سوريا  وهذا الاهمال من جانب المجتمع الدولي في احقاق الحق الانساني لشعبنا يشكل هجوما لفكرة عالمية هذا الحق وتقويضا لجميع حقوق الانسان .

عليه فان مثل هذه العلاقات ليست الا ارضاءات ومساومات لتغطية ما هو اكبر في المستور بين الشركاء في الجريمة لكن المتغيرات المتسارعة في المناخ السياسي العالمي اولا التي لابد من ان تدفع بالعلاقات الدولية المضطربة نحو فضاءات جديدة تعمل على تغيير في نمط هذه العلاقات وفق منظور انساني لعالم اكثر استقرارا وامانا  مع توحيد وتفعيل قدراتنا الذاتية المتبعثرة كأمة باتجاه الفعل الموضوعي الدولي ثانيا ، كفيلة بازاحة الستار واعلان المخفي وتبديد الصمت عن المجازر الآشورية وبالتالي انصاف حقوقنا التاريخية التي لا تنسى مهما مر عليها الزمن لان الجريمة  لاتموت بالتقادم بحسب اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الانسانية التي اعتمدت عام 1968 ونفذت ابتداءا من (ت2)  1970 حتى لو كانت الافعال المنافية للانسانية لا تشكل اخلالاً بالقانون الداخلي للبلد الذي ارتكبت فيه .

ورغم ان الحكومة التركية تجاهلت هذه الاتفاقية حين اصدرت قرارا في 2005 اعتبرت فيه ان الاعتراف بمجازر في عهد الامبراطورية العثمانية جريمة يحاسب عليها القانون حماية للهوية التركية , و هذا القرار المخجل لها لم ولن يمنع او يوقف العالم المنصف من اعتبار هذه المذابح جرائم ابادة بحق مواطنيها من الاقليات ولن يحمي تركيا من الاتهام والادانة لان سياسة انكار  ونفي حصول المذابح بحجج واهية من قبل السلطات التركية المتعاقبة التي باتت منهجا متبعا لدى هذه السلطات لم تعد مقنعة ومقبولة لدى المجتمع الدولي الذي سأم ومل من التبريرات العقيمة التي تسوقها تركيا تجاه هذه المذابح .