عندما سار أبي على ركبتيه الى مزار مريمان 

لطيف نعمان سياوش

من دفاتر القادسية
(النص يصلح لسيناريو فيلم سينمائي قصير)

لم تكن مسيرته الاولى للسير على الاقدام من عنكاوا  الى مزار مريمان التي كانت  تبدو قبتيها جلية  للعيان من مسافات بعيدة قبل التغيير الذي اساء الى عنكاوا وديموكرافيتها وتاريخها النقي، حيث عملت الفنادق والعمارات الشاهقة الى حجب الرؤيا، وطمرت حلاوة روح القرية والريف والمرعى والزراعة فيها وحل الحجر بدلا عن الاخضرار والشجر، وقبل ان تستحوذ الحكومة  على أراضي عنكاوا الزراعية الشاسعة وجعل بعض من مساحاتها مطار أربيل الدولي بغير رضى اصحابها، وكانت النتائج ان مسخت نقاء عنكاوا وفقدت عذريتها وبريقها وبعثت فيها الفوضى والتلوث والضوضاء بدلا عن اصوات الديكه والاغنام والطيور..
عودة لمربط الفرس كلما اشتدت المعارك في جبهات القتال بين العراق وإيران كان أبي يعقد العزم ان يقطع الطريق بالصلوات الى مزار مريمان  دون أن يكترث لبرد الشتاء او المطر او حر الصيف،  وتحت قبتيها يركع خاشعا ويمضي ساعات طويلة  راجيا العذراء مريم ان تستجيب لدعوات المؤمنين بأن توقف الحرب حقنا للدماء ، ويعود الابناء الى أحضان عوائلهم مكتفين بهذا القدر من التضحيات والقرابين والدماء..
نحن سبعة اخوة  5 منّا كنا موزعين على جبهات القتال المستعرة بين حين وآخر .. 3 في القاطع الجنوبي ، ورابع في الوسط ، والاخير في الشمال ..
اليوم  هو ربيع  1985  التهبت كافة جبهات القتال في القاطع الجنوبي . لا حيلة للآباء والامهات الا الدعوات والصلوات ..
عقد العزم والدي أن يسير هذه المرة زحفا على ركبتيه من عنكاوا الى مزار مريمان الذي يبعد عنها حوالي 3-4 كم !.لاسيما ان هذه المرة تختلف فيها المعارك عن سابقاتها بضراوتها ونيرانها المستعرة . انه يفكر في ابنائه الثلاث  في القاطع الجنوبي الذي يغلي وفي داخله قناعات تغلي بأن العذراء مريم  ستستجيب هذه المرة لدعواته . كيف لا وهو المؤمن الزاهد والمحب للوطن ولعنكاوا ولكل الناس ولعياله الذين لايعلم الا الله كيف هو حالهم في تلك الظروف، ولا يعلم إن كانوا أحياء أم شهداء أم جرحى ..
عندما أرادوا منعه من فعلته هذه ووصفوه بالجنون .
أجابهم :- ألم يضحي ابن مريم  بنفسه من اجلنا ، ومن أجل خلاص البشرية ؟.. تخلّوا عني واتركوني  أضحي بركبتّي من أجل دعاء الخير لجميع الناس !!
انبهر الجميع لأصرار ذلك الرجل الذي نفذ وعده عندما طوى بنطاله عدة طويات وكشف عن ركبتيه وسار عار الركبتين بضع عشرات من الامتار . سرعان ما اصيب  بنزف ، لكنه تواصل المسير وهو يصلي ، وفي داخله اصرار كبير ان يكمل مشواره حتى لو دفع حياته ثمنا للوعد الذي قطعه على نفسه في الوصول الى القبتين!!
التف حوله حشد من الناس ممن كانوا يشاركوه الصلوات في مسيراته المستمرة الراجلة الى المزار ..
توسلوا اليه ان يكف عن المسير بهذه الطريقة  الانتحارية ولابأس ان يكمل المسير مشيا على الاقدام ، وبين اصرار الرجل ورجاء الناس والحاحهم افلحوا ان ينهضوه ، ويضمّدوا جراحه ليتواصل المسير والدعاء والابتهال..
هناك ركع ساجدا ومصلّيا  لساعات طويلة .. غادر الجميع  الا هو بقي  الى ان حان وقت المساء واسدل الظلام ستاره..عاد يبتهل الى السماء وعيونه مليئة بالدموع  يتطلع الى عودة ابنائه وابناء كل الناس الى عوائلهم سالمين ..
لكن دارت رحى الحرب في قادم الايام  الى أن رحل ابي دون ان يرى  نهاية للحرب التي نخرت في حياته  وعجّلت في رحيله..