تثقيف السياسة ام تسييس الثقافة

نيسان بيغازي

الثقافة بمفهومها العام هي قيم انسانية نبيلة ونقد من اجل التطور والابداع والتصدي للافكار والتيارات التي تحرض على التعصب بأنواعه من اجل بناء انسان جديد يمتاز بالرزانة والتواضع والاستجابة لحكم العقل . وعند اختيار السمات التي تتميز بها ثقافة ما والتي يراد ان تغرس في مجتمع معين كأن تكون وطنية أو قومية تعني بتراث وتاريخ وأدب تلك الامة لابد ان تكون انسانية ايضا مع الحفاظ على جوهر خصائصها الذاتية لان الثقافة بما تمتلكه من أليات ايجابية في التعامل تهدف الى صهر الخلافات من اجل التقارب والألفة فالآداب والفنون والعلوم المتنوعة هي من افضل اللغات المشتركة بين كل الثقافات والحضارات العالمية التي تعمل قطعاً على التناغم وبالتالي توحيد اطار المجتمع الواحد ليكون بمساحة الوطن من جهة وحافزا نحو أقامة علاقات متواصلة في التعامل السلس مع غيرها من الثقافات على مستوى العالم من جهة ثانية بأعتبار أن الثقافة هي الوعي المتطور للفكر الانساني عموما والانجاز الرائع لهذا الوعي لأن المثقف الذي يسعى الى التغيير نحو الاحسن لايدفعه في ذلك دافع عاطفي او ممارسة عارضة او كسب ذاتي أنما يتبنى عملية البناء في الفكر والسلوك وفي النظرية والتطبيق مستند في ذلك الى وعي ومسؤولية من اجل بناء المجتمع بالقدرات الثقافية التي يمتلكها كون مهمة المثقف في هذا البناء ماديا وروحيا لاتقل اهمية عن التنمية الاقتصادية والتكنولوجية فكلاهما بناء , الاول هو بناء الانسان والثاني بناء للوطن وقد يكون الاول اصعب من الثاني لانه يحتاج الى وقت اطول وصبر اكثر واذا منع المثقف عن اداء واجباته ولأية اسباب خاصةً السياسية منها فانها  تؤدي حتما الى مضاعفة العلل والعقد في المجتمع ويحرم من مزايا التغيير.

… ولاجل تطوير الثقافة وتطهيرها من ظاهرة التشنج والتهميش والانفرادية في التعامل بين الثقافات يتحتم على السياسة أن تتصف بأخلاق ثقافية ولاتخشى منها وتعمل على تثقيف ذاتها لتصحيح الاخطاء وتقويم المسار السياسي لها وليس الى تسييس الثقافة ومواجهتها وتفريغها من معانيها وقيمها العليا لتبقى أسيرة ارادات الاحزاب السياسية المتنفذة, التي صبغت المشهد الثقافي بلون واحد طوال عقود خلت نتيجة لتبنيها نظاماً شمولياً في الحكم وأتخذت من ثقافة الطائفة محوراً لسياسة هذه الانظمة لأن هذه التنظيمات نمت بسبب انفراط في البنية المجتمعية ولتنامي النزعة الطائفية فيها واتخذت من ثقافة الطائفة محوراً لسياساتها والتي تم توظيفها توظيفاً سلبياً من جانب هذه الأحزاب لتحصل على بركة ونصرة طوائفها مما جعل السلطة تتعامل مع الثقافة بعقلية مسيطرة خوفاً من التغيير ولتبقى أسيرة هذه الأنظمة ذات العوق الثقافي، ولهذا فشل المثقف المتحزب أن يبدع في ثقافة لا تتماشى مع نهجه السياسي متاثرا في ذلك بمواقف حزبية وعواطف شخصية مستفيدة خالية من رؤية ثقافية تقوده الى التجزئة والاختلاف والتعسف في قمع التعددية الفكرية وتحجيمها في المجتمع وتبنيه لمفهوم احادية الثقافة التي تنشر الاحقاد وروح الانتقام وبالتالي تغييب دور المثقف وتحويل الثقافة الى مهنة يقتاد منها لقمة العيش لانه لايستطيع مقاومة اغراء ما يدونه فيبتعد عن حقيقة واجبه ارضاءاً لافكاره وتربيته الطائفية التي تضفي على ماهو اهم منها.

… نعم حصل التغيير في العراق بعد عام 2003 واستبشرنا خيراً بالنظام الفيدرالي الديمقراطي الذي يدعو الى حماية حرية الانسان التي ينشدها المثقف والدفاع عنها من التجاوز عليها حتى اذا كان هذا التجاوز من قبل السلطة لأن هذا النظام يسعى الى ايجاد التوازن بين ثقافة السلطة الحاكمة وثقافة المجتمع لخلق التراكم الفكري وتحسين النقلات النوعية الضامنة لاستمرارية الفكر والابداع ويشجع على توفير عوامل الاستقرار والتجانس المجتمعي بين الثقافتين لان الديمقراطية هي تطبيق لقواعد دستورية وتشريعية وقوانين حقوق الانسان الدولية تلتزم بها السلطة وتحترمها للحفاظ على النظام العام وتحقيق الاستقرار السياسي في البلد لارساء اسس جديدة لثقافة حرة وصريحة في الحوار التي باتت من مستلزمات الديمقراطية الضرورية في المجتمع.

… لكن ما يؤسف له هو ان رياح هذا التغيير جاءت بما لا تشتهيه سفينة الوطن لانها لم تمس تغيير الافكار والممارسات الضرورية للبناء المادي والفكري في المجتمع بل زادته تعقيدا حين تغلب منطق الطائفة على منطق الدولة مما أدى الى فقدان التوازن الطائفي وأستغل بشكل عنيف سقطت على اثره الدولة واصبح النظام الفيدرالي لدينا يشكل خطراً على الديمقراطية التي هي السبيل لتحقيق السلم المجتمعي والاستقرار السياسي في المجتمعات التعددية لكنها جردت هي الاخرى من مفهومها الحقيقي بسبب تصرفات سيئة بأسم الديمقراطية , ومما زاد في الاوضاع سوءاً هو عدم اصلاح النظام الانتخابي بالاتجاه الذي يحد من الطابع الطائفي للبرلمان ومجالس المحافظات لغياب الارادة المطلوبة لتحقيق ذلك وتركه على علاته وفي ممارسات انتخابية عديدة بنيت على المحاصصة الطائفية مع عدم الاخذ بالنظام الديمقراطي بمضمونه السياسي والاجتماعي معاً لتامين حق المواطنة والتقارب المجتمعي انما اقتصر فقط على جانبه السياسي العنيد والمتعصب الذي وفر المناخ الملائم لانعاش الولاءات الشاذة في المجتمع فجاءت الانتخابات بنتائج كارثية مخجلة برهنت على عدم قدرة الاحزاب والكتل السياسية من تخطي النزعة الطائفية المخيبة للامال وبالتالي الفشل في امكانية التقارب فيما بينها, وامتد تأثير الغباء السياسي هذا ليشمل الجانب المهم الآخر في الحياة وهو الجانب الفكري الثقافي الذي يعتبر أس التمدن والحضارة لكن  تم تسييسه وتلوينه بلون الطائفة الحاكمة لتجاهلها المتعمد لحقيقة كون الثقافة الوطنية ماهي الا نتاج فكري وحضاري ثر وكنز ثمين كونته الثقافات المتنوعة التي يحتضنها الوطن وليست حكراً على مكون معين مما ضاعف من حدة التوترات بين الطوائف وبالتالي اخفقت في ايقاظ الثقافة من سباتها بهدف تحريك العقل الجمعي بنقلات ايجابية نحو مسالك الحكمة والتبصر لعبورعتبة التخندق الطائفي ومن ثم انعاش وتجذير مبدأ قدسية الولاء الوطني المفقود منذ سقوط الحكم الوطني في اشورقبل 26 قرناً ولحد الساعة.

وصدق من قال: أن الايمان بلا ثقافة هو وجه لما يسمى بالتعصب