بمناسبة مرور 86 سنة على احداث اب 1933 ألقوش.. في ذاكرة قومية

نبيل يونس دمان
بزغت شمس آشور في بلاد ما بين النهرين، عشرات القرون قبل الميلاد، فظهرت مملكة جبارة، بل امبراطورية عظيمة في التاريخ، توجتها مقترنتين، الحكمة والقوة، فازدهرت وايما ازدهار، وانتشرت وايما انتشار. حتى سقوطها الاول عام 612 ق.م. بسقوط نينوى، والاخير عام 539 ق.م بسقوط بابل.
لكنها لم تسقط في وجدان شعبها، واصراره على البقاء منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، وهو يتعرض الى الاضطهادات والمجازر والسبل الهادفة الى ازالة هذا الشعب من على وجه ارضه التاريخية.
في عصرنا الحديث، كانت مجزرة سميل في 7/ آب/ 1933 والتي راح ضحيتها الآلاف من الآشوريين، بعد ان جردوا من اسلحتهم خدعة، على يد المجرم الموصلي النقيب اسماعيل عباوي. لو تتبعنا اسبابها لوصلنا الى استنتاج، بان الروح العنصرية المتعصبة هي التي تدفع غلاة القومية السائدة من الشوفينيين الى قمع القوميات الاخرى، والتي اضحت بفعل قساوة الظروف اقليات.
هكذا ظهر الآشوريون في فترة الحرب الكونية الاولى، كقوة صغيرة مقاتلة تبغي الانعتاق ونيل حقوقها المهضومة من الاقوام المحيطة السائدة، مهما تكن الاسباب والدوافع فقد وجدت القوة الآشورية المتمركزة في حكاري بجنوب شرق تركيا نفسها في دوامة الحرب العالمية، ومع الحلفاء ضد المحور والدولة العثمانية الآيلة الى السقوط.
كان ثمن ذلك الموقف هو النزوح الجماعي من مناطقها التي تواجدت فيها لعدة قرون، باتجاه ايران ثم العراق ارض الاجداد. كما وشرد آشوريو طورعابدين الى سوريا ولبنان، لقد فقدوا الكثير جداً في تلك المسيرة التي تخللتها حروب ضارية، استبسل فيها القائد الآشوري آغا بطرس، ولكن الحلفاء وفي مقدمتهم الانكليز، بطبيعتهم الانانية الاستغلالية وعبوديتهم لمصالحهم المادية، جعلهم يتحولون عنهم. لسنا بصدد هذا الموضوع الطويل بل نختصره بوصول مئات الآلاف من المهاجرين الآشوريين من اعالي ميسوبوتاميا الى اواسطها ، فجرى توطينهم بدءاً من بعقوبة ثم جرى توزيعهم واسكانهم في الاراضي الاميرية الخالية من السكان في اقضية: زاخو، العمادية، سميل، دهوك، والموصل.
لم يهدأ لهم بال فانصب توجههم نحو استعادة املاكهم في حكاري، متبعين كل الوسائل بما فيها التجنيد ضمن تشكيلات الليفي، كما انهم اصبحوا اكثر من اي وقت مضى يطالبون بحقوقهم التاريخية. كلنا نعلم عن مشكلة الموصل واستفتاء عصبة الامم، ثم ظهور ميل واضح للآشوريين، وحتى اليزيدية في قبول الانتداب الفرنسي ورفض ما عداه، والذي خبروه بتجاربهم المريرة بأنه طوع مصالحه كما اسلفنا.
عجز الانكليز عن حكم العراق مباشرة، فاقاموا فيه مملكة وملكاً. هكذا تتوجت النوايا السيئة في اصدار الملك غازي فرماناً( امراً) بإبادة الآشوريين في العراق، مستغلاً فرصة مرض والده في مشافي سويسرا، وأوكل تنفيذها الى المجرم بكر صدقي.
رفعت الحكومة شعاراتها المتطرفة وحرضت الناس مثيرة مشاعرها الدينية، فاصبحت مجموعات كبيرة من ابناء شعبنا اهدافاً للجيش والاهالي الموتورين، فاحرقت القرى وهجرت المجاميع البائسة.. بيوتاتها البسيطة، واضحوا طعماً للبنادق والوحوش وكل وسائل الحقد المتوفرة آنذاك.
يروي شاكر كرمو( من تلكيف) كيف رأى بأم عينيه وهو فتى في العاشرة من عمره آنذاك، سيارة تجوب شوارع زاخو وعليها مجموعة من الآشوريين، تنادي الناس بان هؤلاء مجرمون، وبعد قليل يطلق عليهم النار وتتكرر العملية… وهام الكثيرون منهم عبر الحدود السورية واصبحوا تحت حماية الفرنسيين، ومنهم من توجه الى بعض البلدات للاحتماء فيها، اما ألقوش البلدة الصامدة وحصن آشور المنيع منذ سقوط نينوى فقد فتحت ذراعيها لآلاف المهاجرين.
وقفة ألقوش من احداث 1933:
زحف سيل المهاجرين وجلهم من النساء والاطفال والشيوخ إليها، من مختلف الاطراف وخصوصاً من تلخش، طفطيان، كابارا، داشقوتان، نصرية، جراحية، بدرية، دير السون، داكان الصغيرة، شرفية وجهة سميل وجسر باقاقا، حيث وصل هؤلاء ليرووا ما حدث لهم ولرجالهم في وقائع تتفتت لها الاكباد. اجتمع وجهاء البلدة لبحث الامر، وقرروا حماية هؤلاء بل افتدائهم بارواحهم، وصل عدد العوائل قرابة الالف، جرى توزيعهم من قبل مختاري المحلات الاربع سينا، قاشا، اودو،خيبرتا( التحتاني). حين بلغت اسماع الحكومة تلك الاخبار، ولسخرية الاقدار كان سادن هيكل ناحوم موشي من المخبرين. وكان اشد المحرضين ضد ألقوش قائمقام عين سفني، اما مدير ناحية ألقوش فكان قلباً وقالباً مع الاهالي.
حشدت الحكومة قوة كبيرة، اتخذت مواقعها جنوب البلدة وطوقتها من جهاتها الاربع بالمدفعية، كثيرون رووا لي كيف شاهدوا بأم اعينهم فوهات المدافع موجهة الى البلدة ومنهم والدي يونس البالغ من العمر ست سنوات آنذاك.
توالت اجتماعات وجهاء القوم وعلى رأسهم الرئيس يوسف بولا( 1884 ـ 1953) والحكيم ججو تمو، شيشا كولا، ألياس بولا، حنا اسطيفانا، ياقو حكيم، يوسف دمان، وغيرهم، وقرروا مواجهة الموقف بالسلاح المتوفر، والذي جرى توزيعه على اشد الرجال حنكة في القتال، ومن قبل مختاري المحلات: هرمز رئيس، اسحق جنو، اسرائيل عوصجي.
فضل الاهالي الموت على تسليم النازحين من ابناء جلدتهم، موقنين بذكاء بان مصيرهم واحــد وان الحكومــة لن تفـرق بينهم، وقد كانوا سيواجهون مصيرهم الفوري على ايدي القوات الحكومية والمرتزقة من ابناء العشائر المحيطة وخصوصاً الشمر بقيادة الشيخ عجيل، ومن جهــة الجبــل احتشــدت عشائــر المزوري والدوسكي والزيدكي، وتذكــر مواقف مشرفــة لعشائــر كردية في مساندتها وحمايتها للآشوريين.
في تلك الاجواء المشحونة وصل مدير الشرطة الى البلدة وامهلهم ان يسلموا المهاجرين إليه خلال 24 ساعة. كان الجواب المعد مسبقاً انهم لن يسلموا احداً ! ، ” اذن انتم تودون مقاومة الحكومة” فقالوا له “ان كان ذلك لمصلحة هؤلاء العزل من المدنيين فنحن فاعلون”.
في تلك الليلة من ليالي البلدة الحرجة، تقرر الجمع ان يبعثوا بخبر سريع وان كان بمجازفة الى الموصل، فانبرى السائق يوسف متيكا صارو ومع حنا كجو والقس فرنسيس حداد وامرأة شرطي في حالة الولادة، وانطلقت سيارتهم موديل 1932، متعرضة لزخات من الرصاص في جنوب البلدة، ولكنها مرقت للتوقف في الكنود امام المسلحين فقيل لهم انهم يأخذون امرأة الشرطي المسلمة الى الموصل لعدم توفر قابلة في البلدة. انطلت الحيلة ووصلت السيارة الى الموصل. دخل يوسف السائق الى باحة كنيسة مسكينته جاثياً على ركبتيه، مستصرخاً غبطة البطريرك عمانوئيل الثاني تومكا (1852 ـ 1947) قائلاً “مولاي ! بلدتك فانية ان لم تفعل شيئاً الآن” ، اجابه البطريرك قائلاً” تمهل يا بني فألقوش محمية من القديسين ومريم العذراء” فأجابه يوسف على الفور” سيدي! انا شاهدت مريم العذراء تحمل حذاءها وازارها هاربة خارج ألقوش!! ” ضحك مار عمانوئيل من ذلك الكلام، لكنه اخذه على محمل الجد، وهب حالاً للاتصال بالجهات المختصة والراهبين الدومنيكيين يوسف وياقو، حالا ابرق الى باريس عن مآل الاحوال، وجرت اتصالات سريعة بقيادة القوات الفرنسية (الجنرال غورو) والتي رابطت على الحدود العراقية السورية، وكذلك تم الاتصال بحكومة بغداد، ونفسه البطريرك اتصل بالملك غازي قائلاً له “هل هذا جزاء فضلنا على والدك تعرض مدينتي الى الفناء” ويذكر ان البطريرك عمانوئيل تعرض مراراً للنفي الى اخس المستعمرات الانكليزية من قبل الانكليز بسبب مواقفه الوطنية، وفي كل مرة كانت الموصل تخرج عن بكرة ابيها لاستقباله اسلاماً ونصارى. بعد عدة ساعات القت الطائرات بالمناشير في كل مكان معلنة ان الفرمان قد انتهى، ووصل الخبر الى ألقوش فانطلقـت الصيحات” فاي دوس” أي انفرجـت، ومعه توقف قتــل الآشوريين في كل مكان، وصحب ذلك اطلاق رصاصات التنوير الخضراء علامة الفرح، بعد ذلك توجه الملك غازي بنفسه الى ألقوش.
الملك غازي في ألقوش:
يوم 30 آب 1933 وصل الملك بنفسه ومعه تحسين قدري ومتصرف لواء الموصل ومدير شرطتها، وزينت الطريق باقواس اغصان الاشجار على شكل بوابات خضراء على بعد مسافة كل 100متر وحتى مركز الشرطة( القشلة المبني عام 1916)، خرج تلامذة مدرسة مار ميخا النوهدري وبيدهم الرماح واصطفوا على جانبي الطريق، منشدين الاغاني الجميلة، وبعد استراحة قصيرة في ضيافة مدير الناحية بهجت عبد الاحد قليان( المتوفي في الموصل عام 1951) توجه الجميع الى دير السيدة.
في دير السيدة كان في استقبالهم نائب البطريرك المطران اسطيفان كجو( ألقوش 1884 ـ 1953) ورئيس البلدة يوسف بولا، والوجهاء ورجال الدين، واقيمت هناك وليمة كبيرة، ثم القيت الكلمات والاشعار، فكان شعر يوسف شمينا وكلمة القس ابلحد عوديش، ومما جاء في كلمة يوسف بولا” إننا ندين بالولاء للحكومة، ولكن ليس لهؤلاء القادمين للسلب والنهب والقتل مشيراً الى العناصر المنتمية الى بعض العشائر” وابلغ الجمع بحضور الملك بان دشت ألقوش ما زالت تعج بالمسلمين الضامرين سوءً، ونحن على استعداد لمقاتلتهم. اجاب الملك غازي مخاطباً العشائر” بان الحكومة ليست مسؤولة عن سلامتهم بعد ساعة من هذا الوقت”, وخلال برهة وجيزة ولت الادبار فلولهم لتنظف الدشت منهم، ولتبقى ألقوش على الدوام صرحاً آشورياً يصعب قهره، غادر بسلام المهجرون المتجمعون في ألقوش، فقسم منهم توجه الى سوريا والقسم الآخر باتجاه المدن العراقية، وقسم قليل اثر البقاء في ألقوش ومنهم شبيرا “جد الكاتب ابرم داود”، والذي تزوج من ألقوشية اسمها ملي دمان بعد وفاة أم داود، والعم زيا والد اسحق الاعرج، وخاميس وهوليطي وغيرهم.
حكاية البطل گليث:
في عام 1967 حدثني عمي داود بأنهم كانوا يملكون ارضاً زراعية على مشرف نهير بيكلبا القريب من قرية حتارة اليزيدية، وكانوا باستمرار معرضين لتهديدات القبائل المجاورة، ومن اسوء من جابههم كان الشيخ ركَت ذو اللحية الحمراء. وفي ايام الفرمان (صيف 1933)، جاء الشيخ ركت مدججاً بالسلاح وهو يبحث عن داود، وعند الاحساس بمجيئه، اختفى في بئر مهجورة، وغطى نفسه بالاشواك والاعشاب اليابسة. حام الشيخ الممتطي فرساً حول المكان باحثاً عن داود، ومردداً انه قادم لاستباحة دمه، وعندما سرح ابعد من ذلك المكان، توفرت الفرصة لداود فاطلق ساقيه للريح باتجاه بلدته. ويواصل داود حديثه بالقول، عند هجوم القبائل على قرية ماكنان العائدة الى بيت سرسم في الموصل والمسكونة من بعض العوائل الآشورية، وقد كان فيها قصراً مبنياً من الحجر، وعلى سطحــه تحصــن الشــاب كليت ابن الشماس كنو، وبعد ساعات من الهجوم الفاشل كان الشيخ ركت قد قتل ومرغت لحيته بالتراب، هنا يشرع العم داود بالضحك ملء شدقيه وتنفتح اساريره. شمل هجوم العشائر كل من قرية بدرية، ديرالسون (ترباسبي)، والشرفية. ولكن اشد المعارك دارت في ماكنان، وقد كان يعاون كَُليت في قتاله اخوانه داود، يوئيل، شموئيل( في شيكاغو حالياً). وباقي اهالي القرية، بيت ملك يونان، خمو، مبارك، هارون، وبتو جاسم وغيرهم. عندما اشرفت ذخيرة كليت على النفاذ، انسل ليلاً ممتطياً حصانه باتجاه ألقوش ليتزود بكمية منها، استطاع ان يقاوم بها اياماً اخرى وعندما شعر بان لا فائدة في الاستمرار وقد كثر الاعداء، نجح بخطة جريئة في الانسحاب مع العوائل والطالان (الاغنام والابقار) ووصلوا بسلام الى بلدة ألقوش.
عند انتهاء الفرمان شق الشاب كليت طريقه الى سوريا ولا علم لي باخباره هناك، واهيب بمن لديه المزيد موافاة كاتب هذه الاسطر مشكوراً. ظلت حكاية كليت على كل لسان، وقد تأثر به الصبي اليافع آنذاك توما توماس( 1925 ـ 1996) والذي برز اسمه لاحقاً، قائداً ومقاتلاً طيلة ثلاثين عاماً في الجبال. تغنى بكليت احد شعراء ألقوش وهو متي ابونا( 1904 ـ طال عمره)، نذكر بعض المقتطفات من الابيات التي كتبها :
شاتـَه دِطلاثي وطلاثــَـــه مْپقلي خا أمِر خاثــَــه
قطلي يال زوري وبناثــَه شميلي كُلـّي دولاثــَـه

لَثْ ﮔليَث محَصره پقصرَه قطِلوالي أمّه وأصــرَه
ﮔليث كوفيّه طـــــــــــورَه بگديشه طبيله نــــورَه

خلصواله جَبلخانـــــــــَـــه ركولي لسوسِح شَمانه
لألقوش مطيلي بعدّانــــــه تـَشقاله جَبلخانــــَـــــه

ﮔليَث مْپقله مِنداخــــــَـــــه خيري بدَشتـَه برثاخـَه
ﮔاوَحْ مپلّه خْملاخـــــــَـــه وداويذ إلِّحْ بِصْراخـَــه

زفيره يومَه لعاصِرتـــَــــه ثيلي مدير ِ شرطــــَــه
أمِّح عَسكر كـَبرتــــــَـــــه دآريوالِه أو قـُرتــــَـــه
قصيدة اخرى رددتها افواه الالقوشيين عن محنة اخوتهم الآشوريين أدرجها بلغة السورث الدارجة وبالكرشوني:
من بيبيدي ولْ سميلــــي خيلَه دقُردَث تامَه بريله
شْقِلّي جكّي أوذلي فيلــي قْطِلّي جَنقي وهَم جهيلي
من آلوكه وُل باقاقَـــــــه گورِه وبختاثه بأراقَـــــه
قَمْ ݘرݘري دويقي دواقه
خاتمة:
تبقى احــداث 1933 عالقــة في الاذهــان، وذكــرى الدماء البريئة التي سفكــت فيها طرية، وقد تلتها احــداث اخرى اقـــل شــدة، مستهدفــة جميعهــا شعبنا، لذا وجب انتباه طلائعـــه من النخبة الواعيـــة ومثقفيه ورجال كنيسته اولاً والمجتمـع الدولي والامم المتحدة ثانية. تظل احداث 1933 وصمة عار في جبين الحكومة العراقيـــة آنذاك وكل الحكومات اللاحقـــة، وحتى اصدارها يوماً على لســان مجلسها الوطني المنتخب في ظـل وضع ديمقراطي ودستــوري عفواً واعتــذاراً لكل ما ارتكب جوراً ضد الآشوريين سكان العراق الاصليين.
ملاحظة مهمة: كتب هذا المقال لاول مرة في اب 1998 ، اليوم اجريت عليه بعض التصويبات المطبعية.