بمناسبة الإستفاء الكردستاني، مبدأ حق تقرير المصير… هل  يعني تأسيس دولة مستقلة؟

ابرم شبيرا

محاولة لفهم مبدأ حق تقرير المصير:

نظرياً يعني حق الأمم أو القوميات في تكوين دولها الخاصة بها وعلى أساس وحدة اللغة والعنصر والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة. وهذا هو إمتداد للمفهوم الكلاسيكي الذي كان معروفاً في القرون الماضية بـ “مبدأ القوميات” والذي بموجبه أنهارت سلطة الكنيسة والأمبراطوريات القرونوسطية وتأسست الدول الأوربية الحديثة. غير أن المفكرين وفقاء القانون الدولي أختلفوا في أصل نشوء هذا المبدأ في العلاقات الدولية وبداية تطبيقاته. فمعظم رجال الفكر القانوني والسياسي الغربيين يعتقدون بأن الرئيس الأمريكي ودرو ولسن كان أول من أشار إلى مبدأ حق تقرير المصير وحاول تطبيقه عشية إنتهاء الحرب الكونية الأولى عام 1918 ومن ثم توقيع معاهدة الصلح في قصر فرساي في باريس، حين أصدر بيانه التاريخي المعروف ببيان “النقاط الأربع عشرة” والذي ورد المبدأ في أكثر من فقرة، خاصة الفقرة العاشرة التي نصت على “حق تقرير مصير الأقليات في إمبراطورية النمسا والمجر المنهارة” وكذلك في الفقرة الثانية عشرة والتي تضمنت “حق تقرير مصير القوميات التابعة للإمبراطورية العثمانية المهزومة. وهي المادة التي أعتمد عليها الوفود الكلدانية السريانية الآشورية والوفود الكوردية في مطاليبهم القومية التي قدموها إلى مؤتمر فرساي ثم في المؤتمرات اللاحقة كلوزان وسفير وغيرهما.

أما بالنسبة للمفكرين الماركسيين، فالمتشددون(الأرثوذكسيون) أمثال روزا لوكسمبرغ (1871-1919) – منظّرة ماركسية وفيلسوفة وإقتصادية وإشتراكية ثورية من أصول بولندية يهودية –  يحصرون هذا المبدأ في حق الأمم في إستقلالها الذاتي والثقافي دون السياسي بحجة أن تطور الدول الرأسمالية نحو الإمبريالية والإستعمار الكولنيالي يجعل من مبدأ حق تقرير المصير للأمم الصغيرة شيئاً خيالياً بحتا. في حين يؤكد الماركسيون اللينينيون بأن حق حرية الأمم في تقرير مصيرها لا يمكن أن يكون سوى معنى واحد وهو تقرير المصير السياسي والإستقلال كدولة قومية، وهو المفهوم الذي تبناه لينين وعارضته روزا وهاجمته مهاجمة شديدة.

التطبيقات العملية لمبدأ حق تقرير المصير:

عشية وضع الحرب الكونية الأولى أوزارها وتفتت الإمبراطوريات إزدادت أهمية المصالح الإقتصادية والسياسية وتوسعت في إستراتيجيات الدول المنتصرة خاصة بريطانيا وفرنسا وتغليبها على مصائر الشعوب الأخرى. وتجلى ذلك بكل وضوح في المعاهدات وتسويات الحدود التي أعقبت الحرب، فظهر التناقض الفاضح بين هذه المصالح والمضمون الحقيقي لمبدأ حق تقرير المصير حيث أستخدم هذا المبدأ إستخداماً مزدوجاً وبما يتوافق مع مصالح الدول المنتصرة في الحرب. فإستنادا إلى هذا المبدأ تكونت في أوربا دول قومية جديدة على حساب تفتت إمبراطورية النمسا والمجر. في حين لم يطبق هذا المبدأ على القوميات التي كانت تابعة للأمبراطورية العثمانية وبالتالي بقيت خاضعة للدول المنتصرة في الحرب بحجة أنها شعوب متخلفة يستوجبها الإرشاد والنصح حتى تصل إلى مرحلة يمكن حكم نفسها بنفسها فتم تقنين ذلك في بعض الأنظمة والمراسيم الدولية منها نظام الإنتداب والحماية الذي فرض على هذه الشعوب، أي حرمت من تطبيق هذا المبدأ.

أما بالنسبة للدول الشيوعية خاصة الإتحاد السوفياتي فحاله كان كحال الدول الرأسمالية في الإستفادة من هذا المبدأ لتحقيق مصالحه الخاصة دون مصالح الشعوب الأخرى. ففي الوقت الذي كانت يطالب بحق شعوب المستعمرات في مقاومة الإمبريالية وفي تقرير مصيرها القومي بنفسها وبناء دولها الخاصة بها، نرى بأن هذا المبدأ ضرب بعرض الحائط ولم يعد له تأثير في ظل الحكم الإستبدادي لستالين تجاه القوميات التي خضعت للإتحاد السوفياتي فقام بقمع الحركات القومية التي طالبت بتكوين دولها المستقلة عن الإتحاد السوفياتي وتدخلت عسكريا في هنغاريا عام 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا عام 1968 وسحقت القوى القومية التي طالبت التخلص من هيمنة موسكو والتحرر من السيطرة الشيوعية.

على أنه من جانب آخر يجب أن لا ينكر دورها في بناء كيانات قومية ضمن الإتحاد السوفياتي تمتعت بشكل أو بآخر بنوع من الإستقلال أو الحكم الذاتي أو جمهوريات تابعة للإتحاد السوفياتي وخاضعة لها، وجمهورية أرمينا نموذج من بين عدة نماذج. ومن الضروري هنا الإشارة إلى المفكر الكبير والمناضل الشهيد د. فريدون أتورايا الذي كان يسبق زمانه عندما وضع مشروعه القومي في بناء كيان قومي للآشوريين وبمختلف طوائفهم الكنسية ضمن دول الإتحاد السوفياتي، غير أنه بعد أن تكالبت عليه مختلف القوى الخارجية والداخلية، خاصة الكنسية، قضي على مشروعه فكان مصيره التراجيدي السجن ثم إستشهاده عام 1926. فلو افرضنا نجاح مشروعه القومي في ظل الإتحاد السوفياتي لكان للآشوريين في هذه الأيام دولة قومية مستقلة حالهم كحال الأرمن.

التقنين الدولي لمبدأ حق تقرير المصير:

لم يدخل هذا المبدأ نطاق المنظمات الدولية إلا في عهد الأمم المتحدة عام 1945. فالدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى تجنبت درج هذا المبدأ في ميثاق عصبة الأمم التي أنشأت بعد الحرب لكونه يتعارض مع نواياها التوسعية، خاصة بعد إنسحاب الولايات المتحدة من المباحثات الدولية ومن المشاركة في تأسيس عصبة الأمم. غير أنه بعد تأسيس الأمم المتحدة وبفعل تطور حركة التحرر الوطني في البلدان المستعمرة، أدرج هذا المبدأ في الميثاق وضمن الفقرة الثانية من الفصل الأول (في مقاصد الهيئة ومبادئها) وكذلك في المادة الخامسة والخمسون من الفصل التاسع (في التعاون الدولي والإجتماعي) من ميثاق الأمم المتحدة. ثم أعقب ذلك تطوراً ملحوظاً في هذا المبدأ فأصدرت الأمم المتحدة مجموعة وثائق وبيانات أكدت على حق الأمم في تقرير مصيرها، منها إعلان الجمعية العامة الصادر عام 1960 والخاص بمنح البلدان والشعوب المستعمرة إستقلالها وكذلك العهدان الدوليان لعام 1966 الخاصان بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والمدنية والسياسية لشعوب العالم واللذان أصبحا ساريا المفعول عام 1976. غير أن عدم لجوء خبراء الأمم المتحدة إلى تعريف محدد وواضح وثابت لحق تقرير المصير أدى ذلك إلى إحتدام النقاش بين فقهاء القانون الدولي وأساتذة العلاقات الدولية. ولتجنب الإطالة في هذه الأراء والأفكار يمكن حصرها في إتجاهين:

الأول: يرى أنه لا يجوز تطبيق هذا المبدأ إلا بعد أن تؤخد بنظر الإعتبار الظروف الجغرافية والإقتصادية والتاريخية للأمة المعنية، وأنه يجب أن يقتصر على مبدأ حق الأمم في الحكم الذاتي ضمن إطار من الفيدرالية أو الكونفيدرالية أو أي شكل لا مركزي آخر ومن دون الإنفصال الكامل. ويبرر فقهاء هذا الإتجاه قولهم بأن جعل هذا المبدأ حقاً عاماً مطلقاً من دون أخذ الإعتبارات المذكورة أعلاه لن يعني سوى خلق فوضى وإضطراب في العلاقات الدولية.

الثاني: يرى هذا الفريق بأن المبدأ هو حق مطلق لجميع الشعوب دون إستثناء لا سيما الشعوب المتخلفة التي هي أحوج ما تحتاج إلى تقرير مصيرها والتخلص من الظلم والإضطهاد كأساس لمواكبة التطور الحضاري والتي كان حرمانها من هذا المبدأ سبباً في تخلفها عن الأمم الأخرى، لهذا السبب يرى هذا الفريق بأن مبدأ حق تقرير المصير هو قاعدة قانونية إخلاقية ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. في الخلاصة يمكن القول بأن المبادئ الأساسية المتفق على مضمون هذا المبدأ هو (حق كل أمة في إختيار نظامها السياسي والإقتصادي والإجتماعي وإنتهاج طريق تقدمها بما يتوافق مع مصالحها القومية ومن دون تدخل أو إكراه من أية جهة أخرى).

وإذا كان مثل هذا الفهم ينطبق على الشعوب الخاضعة للإستعمار فأن هذا المفهوم تطور بشكل كبير خاصة بعد تحرر معظم الشعوب من الإستعمار التقليدي وشكلت دولها الخاصة بها ودخلت عليه تغييرات كثيرة ليشمل أيضاً حق الشعوب والقوميات المختلفة التي شكلت، بفعل عوامل سياسية وتاريخية وحضارية وإقتصادية دولة واحدة (مثل العراق) في الإختيار الحر للنظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي، أي بعبارة أخرى، حق المشاركة لجميع القوميات أو ممثليها داخل الدولة في تعيين أو إختيار أو إنتخاب الحكام والهيئات الحكومية من دون تأثير أية جهة على أخرى. أي بهذا المعنى تصبح الديموقراطية الأداة والوسيلة الحاسمة في تحقيق المبدأ ضمن الدولة الواحدة المتعددة القوميات. ومن الملاحظ بأن هذا المفهوم للمبدأ هو الطاغي في العصر الراهن على المؤتمرات والتجمعات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتي في معظمها تربط ربطاً محكماً بين مبدأ حق تقرير المصير وحقوق الإنسان والأقليات القومية والدينية. وهذا ما أكده المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان لعام 1993 المنعقد في فينا – النمسا.غير أنه من جانب آخر أكد المؤتمرون في بيانهم بأن هذا يجب أن لا يفسر أو يؤول هذا الحق بأنه تخويل أو تشجيع لأي إجراء أو فعل يمزق أو يضعف كليا أو جزئياً سلامة الأراضي ووحدة السيادة للدولة المستقلة التي تمتلك حكومات تقوم على مبادئ المساواة وعلى تمثيل لمعظم أبناء الدولة دون أي تمييز ومن أي نوع كان.

أي بعبارة أخرى، أن الدولة التي لا يعتبر نظامها ديموقراطي ولا تقوم على المساواة بين أبناء الوطن فإن مبدأ حق تقرير المصير وممارسته ينطبق بكل معانيه على القوميات أو الأقليات المضطهدة التي لا تمثيل حقيقي وفعلي لها في السلطة والهيات الحكومية.

مبدأ حق تقرير المصير بين الحق المطلق والتطبيق العملي:

مهما يكن معنى حق تقرير المصير للشعوب والقوميات فأنه من الضروري جداً فهم بأن هذا الحق ليس إمتيازاً دولياً خاصاً لأي شعب من شعوب العالم، بل هو شكل من أشكال التدابير الإيجابية والشرعية التي تتيح للشعوب المطالبة بحقوقها السياسية والإقتصادية والإجتماعية وتوفر لها الأطر القانونية والأسانيد الشرعية لتحقيق ذلك. حيث من المعروف في الفكر القانوني بأن مفهوم الحق هو مفهوم مجرد ومطلق يتطلب وسائل تنفيذية لتحقيقه ونقله إلى الواقع الحالي، كما هو الحال مع الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية في أي دولة، لذلك فإن حق تقرير المصير كمبدأ وحق مطلق لا ينطبق تلقائيا على جميع الشعوب، بل يتطلب ذلك وسائل وإجراءات تنفيذية لنقله من حالة التجرد والإطلاق إلى الواقع التطبيقي وإلى مستوى الممارسة السياسية.

وكل تجارب شعوب العالم دلت على أن الحركة التحريرية القومية أو تنظيم سياسي فعال هو الوسيلة والأجراء التنفيذي الواجب توفره لنقل هذا المبدأ من مجرد حق قانوني وأخلاقي مطلق إلى الواقع العملي والتطبيقي. فمن خلال الممارسة النضالية عبر حركة تحريرية قومية أو على الممارسة السياسية الفاعلة لتنظيم قومي أو حزب سياسي يمكن نقل هذا المبدأ من الحق المطلق إلى التطبيق العملي. وبهذا المقصد لا يمكن الحديث عن تطبيق هذا المبدأ تلقائيا على الشعوب التي لم تنشأ بعد مؤسساتها السياسية القومية أو لم تشكل حركتها السياسية وأثبتت وجودها على الساحة الدولية وسعت على نقل هذا المبدأ من عالم القانون إلى عالم السياسة، من النظرية إلى التطبيق. من كل ما تقدم نطرح الأسئلة التالية كفاتحة للقارئ الكريم للإجابة عليها:

هل فعلاً النظام السياسي في العراق ديموقراطي وقائم على عدم التمييز القومي والديني والطائفي وهل ضمن حق الكورد في المشاركة الفعلية في إختيار النظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي لهم؟

هل فعلاً الإستفتاء الكوردي وقيام الدولة “الكردستانية”  سيمزق أو يضعف كليا أو جزئياً سلامة الأراضي العراقية ويهدد وحدة سيادة العراق المستقلة ويهدد أمن وسلامة المنطقة؟ و أخيراً يحق لنا أن نتسائل: هل يحق للقومية “الكلدانية السريانية الآشورية” إجراء إستفتاء والمطالبة بكيان قومي مستقل لهم وفق المفهوم الوارد في أعلاه عن حق تقرير المصير… موضوع سنعالجه في مناسبة لاحقة.