باكنغهام : داخل المدينة لا ينم عن عظمة وشهرة

د. صلاح عبد الرزاق

بغداد في العهد العثماني ( ١ )

في بداية القرن التاسع عشر كان عدد نفوس بغداد يُقدر بخمسين ألف نسمة. وكانت تعاني من فقر سائد، سواء في الأبنية ونوعيتها وقدمها، أو أسواقها وخدماتها. وكان من يزورها يتفاجأ بالحالة البائسة للمجتمع مقارنة بما سمعه عن بغداد في مجدها وحضارتها. يصف الرحالة باكنغهام Buckingham مشاهداته للمدينة التي زارها عام 1816 فيقول: ( إن داخل المدينة لا ينم عما اشتهرت به المدينة من عظمة وجلالة وثروة بكونها عاصمة شرقية. فقسم كبير منها غير مبني لاسيما القسم الشمالي الشرقي، وحتى الأقسام المأهولة التي ترتفع فيها الأبنية قرب النهر حيث تكثر الأشجار. ترى المدينة وكأنها قائمة على ما كانت عليه بابل حسبما يظن ولاية مسورة أكثر منها مدينة قائمة بذاتها. (1)

وجميع أبنية المدينة مشيدة بالطابوق الأصفر الضارب إلى الحمرة ، وهو صغير الحجم دائري الزوايا، مما يدل على استعماله مراراً من قبل. فهو يؤخذ من خرائب أبنية ليشيد به ثانية. وفي حالات قليلة جداً يرى طابوق جديد كما يدل مظهره الخارجي.

إن شوارع بغداد ضيقة وغير معبدة كسائر مدن الشرق ترتفع على جوانبها . ونادراً ما يرى شباك مفتوحاً ، وأبواب الدور صغيرة وضيقة، والشوارع معقدة وملتوية أكثر من شوارع المدن التركية الكبيرة. وإذا استثنينا شوارع الأسواق المستقيمة نسبياً وبعض الميادين المكشوفة، ألفينا داخل المدينة لا يتعدى أزقة وممرات ضيقة.

إن عدد جوامع مدينة بغداد يربو على المائة حسبما يُظن، ولكن الجوامع التي تمتاز بمنائرها وأبراجها لا تزيد على الثلاثين، والبقية لا تعدو أن تكون مزارات مقدسة ومقابر يلجأ إليها الناس للصلاة.

أما الخانات العامة أو النزل لمبيت القوافل فيربو عددها على الثلاثين. وهي من حيث البناء دون خانات ديار بكر وأورفة. ومن هذه الخانات خان الأورتمة الذي يمتاز بأقواسه الكبيرة والصغيرة المقرنصة على نحو خانات الموصل والبناء الخارجي يدل على مدى قدمه، وهو مبني بالطابوق المسوّد والجص ، ومزخرف بالفن المعماري العربي والتركي على شكل مقرنصات تتدلى على مشكاواته.

والأسواق عديدة ومعظمها طويل ومستقيم نسبياً ، وأحسنها معقود بالطابوق ، ولكن عدداً كبيراً مغطى بألواح تمتد فوقها لتستند إليها السقوف المصنوعة من سعف النخيل وجذوعه الجافة. والدكاكين مليئة بالبضاعة الهندية. وليس في أرجاء المدينة سوق يمكن أن يقارن بأحد الأسواق المجاورة لخان كمرك مدينة أورفة التركية.

والحمامات أحط بكثير من حمامات بلاد الرافدين الكبيرة التي زرتها حتى الآن. ويقال أن عددها يتعدى الخمسين حماماً. وقد قصدت أحسنها، وكانت واسعة مجهزة بماء كاف، ولكن جدرانها عارية إلا من بعض الكاشي المزخرف بالطيور والأزهار قد تناثر هنا وهناك، ومنظره الداخلي يوحي بالكآبة والتجرد. والمشرفون على شؤون الحمام تنقصهم البراعة واللياقة التي يتمتع بها المصريون والدمشقيون.

والمواصلات بين بغداد والبصرة هي عن طريق القوارب في دجلة، وإن كان سابقاً عن طريق الحلة على الفرات إلا أن ذلك الطريق غير مأمون الآن لوجود قبيلة كبيرة تحتل الضفتين دأبها السلب والنهب. والسفن التي تنقل البضائع إلى بغداد تتراوح حمولتها بين 20-50 طناً مزودة بالسواري والأشرعة لاستخدامها إذا أسعفتهم الريح. والقوارب الصغيرة ، التي تحمل المؤن والفواكه إلى المدينة،  دائرية الشكل ، مصنوعة بهيئة القفة ، ومكسوة بجلد الماعز. وهي نفسها التي كانت تستخدم في الأيام الموغلة في القدم.

ويلاحظ في هذه المدينة النقص الواضح في الثروة بين جميع طبقات الناس. ومما يسترعي النظر عدم شيوع الألوان البراقة للبزات العسكرية المتخذة في مصر وتركيا. إن مظاهر الفقر بين الطبقات الفقيرة هنا توحي بالكآبة على النقيض من الألوان البراقة الشائعة بين الطبقات الدنيا من الناس في دمشق والمدن المشابهة على الطريق.

عندما دخلت بغداد لأول مرة وجدت لدهشتي أن اللغة التركية سائدة أكثر من العربية. بالرغم من أن هذه المدينة محاطة بالأعراب من كل جانب أكثر من مدينة دمشق وحلب والموصل، والتي وجدت العربية سائدة في جميعها. واللغة التركية (في بغداد) محرّفة ومشوشة في اللفظ والمصطلح، حتى أن المرء الساكن في اسطنبول لا يفهمها عند سماعه إياها لأول مرة . إن اللغة العربية هنا رديئة جداً إذا اتخذنا القاهرة ومكة واليمن قياساً حسناً في اللفظ والنقاوة. فالكلمات والمصطلحات التركية والفارسية والهندية والكردية تتمازج وتتداخل مع بعضها، وتشكل بذلك خليطاً غريباً من الكلمات غير المنسجمة). (2)

أما السائح الهولندي تنكو نيهولت Tinco Nijeholt (3) الذي زار بغداد عام 1869 أي في السنة التي تولى فيها مدحت باشا بغداد. فقد وصف بغداد بقوله :

( أما بغداد فتقع وسط غابة من النخيل. وقد اضمحلت مدينة الخلفاء من جراء الإهمال ، وطمع الولاة الأتراك، وأصابها الطاعون والفيضان. يبلغ عدد نفوس بغداد 85 ألف نسمة والمدينة حديثة البناء عموماً، وتتألف أكثر بيوتها من طابقين. والدور التي على شاطئ النهر تطل بغرف عالية ذات نوافذ جميلة واسعة مزينة بالزجاج الملون. في بغداد 80 مقهى، و45 خاناً و38 سوقاً و40 مسجداً. والطرق وعرة ضيقة ، كما هي في المدن الشرقية، يملؤها الغبار صيفاً والطين شتاءً. وحيطان الدور الخارجية المشرفة على الشارع خالية من النوافذ ، لكن كثيراً من البيوت تضم حدائق يزكو فيها النخل وأشجار الفاكهة). (4)

ويؤيد ما ذكره باكنغهام الشيخ محمود شكري الآلوسي (1857-1924) وهو من سكنة بغداد. إذ ألف كتابه (أخبار بغداد وما جاورها من البلاد) في نهاية القرن التاسع عشر ، في عام 1900 ، أي بعد 90 عاماً من زيارة باكنغهام، فلم تتغير الحال بشكل عام وبقيت الأمور تسير بشكل تقليدي وخاصة على مستوى الإدارة والاقتصاد والصحة والتعليم والمحاكم والبناء والأسواق وغيرها. يقول الآلوسي:

( في بغداد اليوم أسواق كثيرة في كلا جانبيها ، ولاسيما جانب الرصافة. وفيها نحو أربعة آلاف حانوت، وهو مكان البيع والشراء، ونحو مائتي خان ، وهو مكان بيت المسافرين وأمتعة التجار. وفيها مائتان وخمسون حانة لشرب البن (المقاهي) ، وفيها مائة وخمسة وثلاثون بستاناً، ونحو مائة وخمسة وأربعين مسجداً. وفيها نحو خمسين مكتباً (كتاتيب) للصبيان من المسلمين، وثمانية مكاتب لغير المسلمين، ونحو إحدى وعشرين مدرسة، ونحو عشرين زاوية للمتصوفة، ونحو ثلاث وثلاثين مقبرة ، ونحو اثنتي عشرة خزانة للكتب (المكتبات الملحقة بالمدارس الدينية) . وفيها من الحمامات نحو ثلاثين حماماً ، وهي مطلية بالقار المجلوب من عينه التي هي مدينة هيت (الأنبار) . ومن أحسن الحمامات الموجودة اليوم حمام حيدر في محلة رأس القرية من محلات جانب الرصافة.

وفي بغداد نحو مائتي عرصة ، ومائة وعشرين اصطبلاً ، وسبعة مخازن للذخائر، ومائة وثمانين علوة ، وستة عشر رحاة للطحين، وستة حوانيت للصيدلة ، وعشرة مخابز، وعشرين فرناً، ونحو عشرين سقاية .

ليس في بغداد شارع منتظم ، ولا جادة مستقيمة ، إلا شارع دار الحكومة ، ثم الميدان ، ثم جادة أخرى تنفذ إلى سوق محلة الفضل، وشارع آخر ينتهي إلى مسجد السيد سلطان علي. والسبب في ذلك ما لحق بغداد من الغرق والخراب، فلم يبق أثر لما اختطت عليه ، ولا من سعة الشوارع والطرق . فلما اندرس أثر الاختطاط (التخطيط) الأول شرع الناس يختطون مساكنهم على حسب ما يشتهون ويريدون، ولم يحل أحد دون شهواتهم. والحكومة بذلت المزيد من الهمة نحو تدارك هذا الخلل فلم تنجح. والناس اليوم من ضيق الشوارع والجادات في عناء لا مزيد عليه). (5)

الأكمكخانة وقيصرية حنش

الأكمك هو الخبز باللغة التركية ، والأكمكخانة هو المخبز . وكان يجهز الخبز لآلاف الجنود والشرطة في بغداد. وكان مبنى المخبز واسعاً ومجهزاً بآلات تقوم بعمليات العجن ولعدة وجبات (6).

كان المخبز العسكري يقع على يمين الداخل في شارع المتنبي من جهة السراي.  وكان الشارع يسمى بشارع الأكمكخانة. وفي عام 1932 تم تسميته رسمياً باسم شارع المتنبي. وتم تهديم مبنى المخبز في سبعينيات القرن العشرين. وعلى أرضه تم تشييد سوق كبير من طابقين ، فيها فناء واسع، يشغلها باعة الكتب والقرطاسية. ويشغل المكان اليوم (قيصرية حنش) حيث توجد فيه عدد المكتبات مثل المكتبة القانونية ومكتبة آفاق ومكتبة ومقهى حنش حيث يجتمع فيه المثقفون أيام الجمع.

دار المعلمين

أنشأها والي بغداد نامق باشا الصغير (1899-1902) ثم شغلتها متصرفية بغداد. ثم انتقلت في بناية المدرسة الرشدية.

يتبع