القوش مدينة تاريخية تحت الحصار

فادي كمال

القوش تلك البلدة التي تحمل رمزية تاريخية وحضارية لدى مسيحي العراق ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري، بكل ارثها الذي يضرب في عمق التاريخ، وتوجت تلك الرمزية مؤخرا في عدم سقوطها بيد داعش واستعداد أهلها العسكري للوقوف بوجه التنظيم الإرهابي بإمكانياتهم المتواضعة، ما جعلها تختزل قيمة القدرة لابناء شعبنا، وكانت نقطة الانطلاق لشرارة تلك المقاومة.

كسر رمزية المقاومة ومطامع التوسع

يبدو أن هذه الحالة أزعجت القادة الأكراد الذي طالما ادعو أنهم الوحيدين القادرين على حماية ابناء شعبنا، وبدون تلك الحماية سيتكالب الأخرين لابتلاعهم وخاصة قوى التكفير، ولكن الذي حصل العكس فالقوش التي كانت تقاوم سيطرتهم شعبيا ورسميا الوحيدة التي لم تسقط بيد الدواعش، في وقت سقطت كل القرى التي مثلت ثقل حضورهم العسكري.

فعمدوا على اسقاط كل الرموز التي مثلت معارضة لحضورهم السياسي وسيطرتهم على عموم منطقة شمال سهل نينوى، تمهيدا لأسقاط تلك الرمزية في المقام الأول وتوسيع مناطق سيطرتهم المباشرة بتنصيب مسؤولين خاضعين لسلطتهم المباشرة.

وبعد الأزمة الأخيرة بين بغداد واربيل، وخسارة أربيل لمساحات جغرافية شاسعة وانسحابها لمناطق السيطرة ما قبل 2003، من الغريب انها لم تتمسك سوى ببلدة القوش وتللسقف، المسؤول المحلي في الحركة الديمقراطة الأشورية، ومسؤول المركز الإعلامي لوحدات سهل نينوى اترا كادو تخوف من هذه الحركة التي قد تجعل البلدة الصغيرة منطقة صراع بين القوتين وأشار الى أن “أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني لم ينفكوا من التصعيد السياسي في المنطقة، بنشر الدعايات والاشاعات بين الأهالي بسوء معاملة قوات الحشد للمدنيين بغية ارهابهم، وبأنهم لن يسلموا القوش بلا قتال، كما حصل في جارتهم الأخرى تل اسقف، وهذا ما ينشر القلق في انتظار المعركة التي ستحرق منطقة صغيرة لم تكن ساحة للصراع من قبل”.

وأعتبر كادو أن “حالة الحصار التي وضع القادة الاكراد فيها أهالي البلدة تؤثر سلبا على مفاصل الحياة الشبه متوقفة، فيما كان يستبشر الأهالي من الخلاص من داعش في القرى المحيطة بهم ليفيقوا على ازمة أخرى تهدد وجودهم في اكثر معاقل المسيحية تجذرا بالأرض وتمسكا بها”، ورأى كادوا أن “هناك محاولة جدية لمعاقبة جماعية بحق أبناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري نتيجة موقفهم الرافض لشمول مناطقهم بالاستفتاء على استقلال الإقليم، وخروج ابناء البلدة في مظاهرات داعمة لوحدة العراق ضد الاستقلال كان له اثر بالغ في نقمة القيادة الاكراد على الناحية، ورفض تسليمها الى السلطات الحكومية والانسحاب منها، وجعل هدف تدميرها او على الأقل قصفها من قبل القوات الحكومية غاية أساسية لتأليب الأهالي ضدها كما حصل في مناطق عديدة من مناطق شعبنا”.

عقاب جماعي

يبدو ان العقاب الذي قررت القيادة الكردية ان تشنه ضد ابناء شعبنا لن يتوقف عند الحصار الذي ستفرضه على القوش، نتيجة ما تعتبره موقفا سلبيا من القيادات المؤثرة والجماهرية، وليست القيادات الكارتونية صنيعتها التي لا تمتلك أي قاعدة على الارض، فجاء الهجوم هذه المرة من احد نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي وباتفاق مع المكتب السياسي في الحزب أعلن عن انشقاقه عن الحزب وتشكيل الكتلة القومية داخل البرلمان،

وقال النائب اري هرسين في مؤتمر صحفي له عقده في اربيل، “تركت صفوف الديمقراطي الكردستاني، بعد اجتماع ودي مع المكتب السياسي، لاتفرغ للدفاع عن القضايا القومية الكردية”، مبينا أنه غير “مستعدا لان اكون مدافعا لمكونات اقليم كردستان المتنوعة، والاقربون أولى بالمعروف، لذا فضلت ترك صفوف الديمقراطي، الذي يستحي هو وباقي الأحزاب أن يدافعوا عن المصالح الخاصة للكرد”.

ويبدو أن النائب ينقل رسالة واضحة الى المكونات والتي من بينها شعبنا في الإقليم، بأن بعض ما كان يمنح لهم من حقوقهم الشرعية في الإقليم، أتى الوقت الذي يجب أن يتذكروا فيه انه “منة” وأن الحزب الكردي هو السبب في ذلك، وفي الوقت ذاته فأن التصريح هو تهديد صريح بأن تلك “المنة” يمكن مصادرتها في أي وقت تشاء القيادات الكردية، خاصة عندما تتعلق القضية بمواقف حكومة الإقليم الاستراتيجية والمصيرية كالاستقلال وهنا لا يحق لأي مكون أن يسجل اعتراضاته وأن كانت حقوقه مسلوبة ولم يمنح أي من مميزات مواطني الدرجة الأولى.

ويبدو أن الرد على موقف الحزب جاء كرديا أيضا، فصرح النائب عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني سالار محمود بأن “القيادة الكردية غدرت بمكونات الأقليم، وقسمتهم لأجل مصالحها السياسية الضيقة”،  فأختصر النائب تجربة عقدين من التجاذبات بين القوى السياسية التي تمثل شعبنا بالاقليم والقيادة الكردية، والتي عبر عنها بـ”الغدر”، فالقيادة صادرت بمواقفها وطبيعة تعاطيها مع شعبنا حقوقهم القومية والسياسية، فيما سوقت اعلامياً بأنها المدافع الأول والأخير عن حقوقهم، وما انسحابها من قرى ومناطق شعبنا عند اجتياح داعش وتركهم لقمة سائغة للتنظيم الإرهابي، سوى تجربة واقعية عن طبيعة تعاملها في اغلب المواقف السياسية الأخرى.

المسيحيات لولا البشمركة لكانوا سبايا

المستشار الإعلامي في مكتب رئاسة الإقليم كفاح محمود أعتبر خلال لقاء تلفزيوني أن “لولا قوات البيشمركة الكردية ومواقفها لكانت نساءكم سبايا لدى داعش”، يبدو ان تناسي الوقائع القريبة ومحاولة تكبيل ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري واستكمال مسلسل حصارهم معنويا، من خلال اطلاق تصريحات تثبت أنهم عاجزون عن حماية حتى نساءهم بعد ان تنازلوا عن أراضيهم، في إشارة وقحة الى ضعفهم وقلة حيلتهم، وتسويق هذه الكذبة إعلاميا ومن خلال متحدثين رسميين يمثلون الحزب الحاكم تمثل سابقة خطيرة في العلاقة بين الطرفين، تقود الى انحدار واستضعاف خطير لأبناء شعبنا.

وهنا نتساءل وان سلمنا جدلا بصدق ما ذهب اليه المستشار محمود من تصريحات، فأين كانت البيشمركة من سبي النساء الايزيديات، والذين اعتمدوا على حماية البيشمركة، وهل كانت نسائنا سيكون هكذا مصيرهم لو كانت مواقع قرانا الجغرافية مختلفة ولم نستطع الهرب في الوقت المناسب واعتمدنا على البيشمركة كما فعل الايزيديين.

حصار القوش أم حصار لابناء شعبنا

حصار القوش وابنائها بهذه الصورة والذي استمر اشهر، ووضعهم في حالة ترقب لمستقبل مجهول تحاول القيادة الكردية رسمها لهم لحين بيان ولائهم لها، فمحاولة تشكيل ضغط على قياداتهم من عدة اتجاهات وتذكيرهم  بما تقدمها لهم من شبه حقوق، فما تجبرهم على تقديم التنازلات وتروضيهم لجعلهم بيدق تستعمله منى ما شاءت في صراعها السياسي سواء في تلميع صورتها الدولية كحامية للأقليات، من جانب اخر السيطرة على مناطقهم، التي تمثل شريط يفصل بينهم وبين مناطق سيطرة الحكومة المركزية، لجعلها ارض محروقة عند اندلاع أي صراع كما يحدث اليوم. السياسة التي اتبعتها القيادة الكردية مع أبناء شعبنا خلال العقود الأخيرة منذ العام 1990، والتي تمارسها اليوم بحق شعبنا في سهل نينوى وداخل الإقليم أدى الى نفور شعبي رغم محاولات بعض القوى السياسية والدينية المرتبطة بالقيادة الكردية ارتباطا تاما، لدفع أبناء شعبنا دفعا نحو المشروع الكردي الا أن الهوة اتسعت الى مرحلة أصبح شعبنا يضع تلك القيادات  في خانة مرجعيتها، ويحملها مسؤولية ما وصلت الأمور من معاناتها وازمتها الحالية.

الموقف الموحد طريق فك الحصار

مرة أخرى نجد ان إعادة توحيد المواقف سواء من الحكومة المركزية او من حكومة الإقليم، نحو مطالب تضغط جميع القوى والمؤسسات لتحقيقها واهمها اعادة احياء مشروع محافظة سهل نينوى، وربط المحافظة بحكومة بغداد، إضافة الى دعم الجهد العسكري لابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري وتوحيد الفصائل ذات القرار المستقل، والحاقها بقوى الامن الداخلي الحكومية، نحو تثبيت استقرار السهل لتمهيدا لأعاده المهجرين الى مناطقهم.

المقال منشور في العدد 658  من جريدة بهرا..