الاب مارتن بني لنعمل كلنا يداً بيد من أجل الانسان ولنجعل من بغداد عاصمة اجمل

بهرا – حوار / ابراهيم اسحق

قس متميز .. تلك اول الكلمات التي تتبادر الى ذهني عندما اريد ان اصف الاب مارتن بني، كاهن شاب ممتلئ الايمان ينقل المحبة والفرح الى الناس .. الى الشارع .. في نشاطاته يحتفل مع الجميع ومع العامة، يحب الحياة والسلام والانسان ويعشق وطنه العراق وبلدته كرمليس والقديسة بربارة ورعية ابرشيته والنازحين وبغداد والكرادة والشعر والمتنبي والصحافة والرياضة والقراءة والايتام والمرضى والاشجار وجميع العراقيين. التقيته في كنيسة مريم العذراء السلطانة الوردية في الذكرى الاولى لرسامتة كـ قس ضمن ابرشية بغداد الكلدانية حيث رسم في 9 ايلول 2016 ، وكان لنا هذا اللقاء:

* الاب مارتن.. مبارك لكم الذكرى الاولى لرسامتكم كاهنا في خدمة كنيسة المسيح، ماذا تود ان تقول في هذه المناسبة؟

– هنالك الكثير مما أود قوله، ولكنني بداية أشكر ربي لأنه جعلني أعيش السنة الأولى من كهنوتي، وأنا ممتليء من نعمته، أخطو ومحبته ترافقني، أعمل ومشيئته هي الأولى في كل شيء. أشكر كل من ساندني في هذه السنة، أبناء أبرشية الموصل الكلدانية، ولا سيما ابناء قريتي كرملش، حيث هناك ولدتُ وتربيت ونمت بذور دعوتي. وأبناء الأبرشية التي أخدم فيها، أبرشية بغداد، على محبتهم ومساندتهم وتعاونهم في كل الأعمال التي قمنا بها من أجل الشباب والفقراء والأيتام والنازحين.

* رسمت كاهنا وخدمت الكنيسة والرعية في بغداد، ماهي ابرز النشاطات اوالفعاليات التي قدمتها في السنة الماضية؟

– إن نعمة الرب التي تقودني هي تساعدني في هذه النشاطات والفعاليات، فعاليتنا الأولى كانت في شارع المتنبي والقشلة يوم 30 كانون الاول 2016، حيث أقمنا ولأول مرة في شارع المتنبي كرنفال لـ (البابا نويل)، وأيضا اقمنا الكرنفال في الكرادة ومقهى رضا علوان. وقد شاركنا في ماراثون (عندي حلم عندي بايسكل) يوم 4 شباط 2017 لدعم حرية المرأة. ثم أقمنا حفلة بمناسبة عيد الحب يوم 13شباط 2017 وجمعنا فيها العراقيين مسلمين ومسيحيين وصابئة وحضرها كبار الفنانيين والإعلاميين. ورغبة منا في صنع السلام انطلقنا بـ (مسيرة السلام) من كنيسة مار يوسف إلى كنيسة السلطانة الوردية يوم 5 ايار 2017.. وأطلقنا حملة (إزرع حُبًّا) في بغداد، وهي زرع شتلات في مناطق مختلفة من العاصمة والمحافظات العراقية. ومن ضمن نشاطاتنا ايضا اقامة (يوم الطفل المريض) وهو يوم تقيمه كنيسة مريم العذراء سلطانة الوردية كل ثاني خميس من الشهر نقوم فيها بزيارة الى مستشقيات مرضى السرطان والأورام ونقدم لهم الهدايا والمستلزمات، وايضا اقامة (يوم الطفل اليتيم) نستضيف فيه مجموعة من الأطفال الأيتام في كل ثاني سبت من الشهر. وهنالك نشاطات قادمة مثل ملتقى الشباب للمواهب وإنشاء دور للأيتام، وغيرها.

* من خلال تلك النشاطات كيف وجدت حضور الايمان المسيحي فيها والتفاعل معها ؟

– كان التفاعل ممتازاً من مختلف شرائح وأطياف الشعب العراقي، ولم يكن تفاعلا فقط وإنما مشاركة في كل ما كنا نفعله. ما نريده هو أن نجعل من بغداد عاصمة أجمل، ومن العراق بلداً رائعاً. وأن نعمل كلنا يداً بيد من أجل الانسان.

* وهل لك نشاطات قبل سيامتك اي عندما كنت طالب إكليريكي؟

– حينما كنت طالباً إكليريكياً، كنت مسؤولاً عن التعليم المسيحي والشبيبة، وقدّمت الكثير من المحاضرات للشبيبة، وشاركت في تنظيم المهرجانات والمخيمات في كرملش وتلكيف والموصل والسليمانية وباطنايا وعنكاوا. كما درست مادة الدين في مدرسة مار قرداخ الدولية في أربيل 2015 – 2016، وكذلك كنت سكرتيراً لدروة الرحمة للتثقيف اللاهوتي في الجامعة الكاثوليكية في أربيل في العام نفسه. وفي الذكرى الثانية لتهجيرنا أي 6 اب 2016 أطلقت حملة بعنوان “حرروا الموصل” نالت صدى محليا وإقليميا ودوليا، وكان الهدف منها المطالبة بالاسراع بتحرير المدينة.

* هل هناك معوقات لممارسة الايمان المسيحي في بغداد ؟؟ وكيف ترى حرية الاديان وحرية المسيحيين تحديدا في بغداد ووضع المسيحيين مع بقية الديانات والطوائف والمكونات؟

– ممارسة الإيمان المسيحي هي جيدة. ولكن هنالك معوقات مثل قانون الأحوال الشخصية وحرية إختيار الدين. فهنالك حرية نسبية للدين المسيحي في بغداد وفي جميع انحاء العراق ويستطيع المسيحي أن يمارس طقوسه وشعائره. ولكنها اي الحرية الدينية قليلة بالمقارنة مع حرية الدين الإسلامي. إذ لا حرية لمعتنق المسيحية، لا حقوق للمعتنق ولا اعتراف به أو بتغييره لديانته، ولا للمسيحي الذي يتزوج من مسلمة، لأنه بالنسبة لاحد الطرفين إذا تزوج من مسلم فإنه تلقائيا وبدون إرداته يُصبح هو وأولاده مسلماً.

* كيف تصف لنا زيارتك لكنيسة مريم العذراء “المسكنتا” في بغداد في عيد انتقال العذراء؟

– كانت اجواء رائعة جداً، اجتمع فيها المسيحي والمسلم لكي يحتفلوا معاً بعيد إنتقال أمنا مريم العذراء إلى السماء.

* الهجرة من اكبر التحديات التي يواجهها الحضور المسيحي في بغداد، ماهو دور الكنيسة في الحد من هذه الظاهرة؟

– الكنيسة تنصح بالتمسك بأرض الوطن وأرض الآباء والأجداد ولكنها في الوقت نفسه لا تقف عائقاً امام عائلة تريد الهجرة، لأن هذا القرار هو قرار شخصي لكل عائلة.

* بالنسبة للنازحين من الموصل وسهل نينوى الى بغداد مالذي استطاعت الكنيسة توفيره او تقديمه لهم ؟

– منذ تهجيرهم والى اليوم لا زالت الكنيسة هي من احتضنت ورافقت وساعدت النازحين في كل ما يحتاجونه من مساعدات معنوية ومادية. وها هي الآن تقود حملة إعادة النازحين وإعمار قراهم.

* كيف تجد دور المنظمات والدور الحكومي في تسهيل العودة النازحين الى بلداتهم؟

– يكاد يكون معدوماً، لكن هنالك بعض المنظمات والشباب الذين ساعدوا في التنطيف والإعمار. أما دور الحكومة فلا وجود له.

* صف لنا زيارتك الاخيرة لبلدتك كرمليس وكيف وجدتها ؟

– كرملش غاليتي التي لا يسعها قلبي.. كانت زيارة مختلفة هذه المرة، لأن كرملش بدأت تنبض بالحياة، فقد بدأ أهلها بالعودة إليها، وهم يصلون في كنائسها، ويفتتحون المحلات والدكاكين، ويعملون من أجل إعادة الخدمات الى القرية.

* المتابعون لصفحتك الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي سيجدون انك تكتب الشعر والخواطر الى جانب كونك ” قس” ، هل تكتب في مواضيع دينية ام مختلفة ومالذي يستهويك في الكتابة اكثر من غيره؟

– أحب القراءة والكتابة كثيراً، واكتب في مختلف المجالات الى جانب المواضيع الدينية، ولا سيما الشعر والخواطر.. منذ صباي وأنا أحب الشعر وأحاول كتابته.. تأثرت كثيرا بـ (جبران خليل جبران، نزار قباني، محمود درويش، تميم البرغوثي) كما اني عملت في الصحافة وكتبت المقالات والتقارير في عدة جرائد ومجلات منها (بهرا، الزمان، الأمل، صوت بخديدا، نجم المشرق، بين النهرين، الإبداع السرياني)، واول تقرير صحفي لي كان لجريدة بهرا.

* ما هي القصيدة التي تشعرك بانها اقرب اليك من غيرها وماذا تقول فيها؟

– قصيدة (المُضطَهَد) واقول فيها :

كنتُ جدولَ نهرٍ، أصبُّ في منبعٍ نقي

كنتُ كعشبٍ في جنائن بابل

بحثتُ عن الخلودِ مع كلكامش

وشعرتُ للحظة أنّني تلكَ الوردةُ الباعثةُ للحياة

كانت إنسانيّتي تُسيطر على مشاعري وانفعالاتي

وتُرجعني إلى أيّامِ الخلقِ الأولى

كأنّني الأوَّل على هذهِ الأرضِ الخربةِ الخاويةِ

تَصفحتُ أوراقَ الصفصافِ و البردي فتجلت صور حضارتي العريقة

وبدوتُ فيها

كريشةٍ كَتَبَ بها حمورابي مسلتَه الشهيرة

وكأوتارِ القيثارةِ السومرية

وكأحدِ عساكرِ الجيوشِ الأشورية

حملتُ معي لواءَ الرشيد

وبيدي بنيتُ أسوار السلام

من فسيلاتِ النخيلِ صنعتُ أقلامي

وبماءِ الذهبِ دونتُ قصائدي

**

أنا هو ذلك المنسي من وجهِ التاريخ

أنا هو بن الحدباء والزوراء والفيحاء

أنا هو بن أربيل والنجف

ابن الرمادي وابن بلادي أنا العراقيُّ المقهورُ أُطفئ من حولي النورُ

تركني الفرح والسرورُ

**

هَجّروني من وَطَني قسراً، وبَيْنَ الأُمَم نَثَروني

أبحَثُ عن قلبٍ يؤويني، أو عن خَمرٍ يُسكِرُني

وعن قطعةِ رغيفٍ تَسدُّ رَمقي وتُشبعني

وعن صَليبٍ يحميني أو عن مياهِ الأردن لتَهبط الحمامَةُ على كتفي والحبيبُ يُناديني

أو عن طريقِ أريحا حيثُ المسالِكُ الجريحة والإيمانُ فضيحة

واسمك حينما يُسبَّحُ بِهِ يُصبِحُ صورةً قبيحة

**

أمسيتُ على وجهي هائماً ولخالقي لائماً

فوقَ المذبَحِ ذَبَحوني، وفي حُفرَةِ اسطفانوس رَجَموني

كرأسِ يوحنا قطّعوني، وعلى خَشَبَتِكَ عَلَّقوني

سُرَّ هيرودس بحُزني، وفَرِحَت هيروديا بغُبني

الضيقاتُ أحاطتني والقيودُ طوقتني

والأفراحُ هجرتني

وفي عُزلتي غبتَ عنّي

جَحافلُ الأرضِ هجمت على بيتي

وجُليات الجبار استلَّ سيفَهُ من غمدِهِ

وعلى رَقَبَتي وَضَعَهُ

ولم يَقدر داؤود أن يُدافع عنّي

فوقعتُ في جُبِّ الأسود حَيثُ العَدوّ اللدود

حيثُ تؤكل أشلاءُ لحمنا

وتُلذِّذ ثَغرَ الفهود

ابتعدتُ عنك وابتعدتَ أنتَ عنّي

وفي أوجاعي أبي تَبَرَّأَ منّي

وأُمّي قَطَعَتْ شَراييني

وذاتي أخَذَتْ تُقَلِّبُني بين كَفَّيها

ونَفسي إلى خارج الزمان تَرميني

**

أنا العراقيُّ المسجونُ في سجونِ العتمة

مع سُجناء سُجنوا لأَنَّهُم مواطنون

لأنهم تَحَدَّوا الطائفيينْ

وبَعَّدوا عنهم صوتَ الرّجعيينْ

فيا ليَتَكَ يا رَهينَ المحبَسَينْ

أن تُطفئ نارَهَم بشطرينْ

من شعرك وتُخمِد الأنينْ

فصدُورُهُم حُرِقت بعودِ كبريت

وشَعر رؤوسِهِم نُتِفَ بقنينة زيت

سُجنوا لأنّهم قالوا كلمةَ الحقّ

لأنهم أرادوا الابتسامةَ وتَمَنّوا الحياةَ

وأبصروا نورَ الشمسِ ورفعوا أعينَهم نحو القمرِ

* وماذا تقول عن قصيدة التأمل (بربارة.. سأعود يوماً) التي كتبتها نهاية عام 2014؟

– سأُكملها وأقول بربارة.. “سأعود يوما.. وعدت” كتبتها لأنني تذكرت كيف كنا نحتفل بهذا العيد، وكيف حُرمنا منه بسبب تهجيرنا من قبل داعش، لذلك كتبتُ هذه القصيدة: تذكرت فيها هذا اليوم الذي سكان كرملش مع سكان سهل نينوى يحتفلون بعيد بربارة شفيعة كرملش، وأجمل اللحظات التي كانت. واليوم سنعود ونحتفل وتحتضننا بربارة من جديد.

* اعجبني منشور في صفحتك يقول (ما اجمله ليل بغداد!) ماذا عنه؟

– ما أجمله ليل بغداد، بغداد جميلة في ليلها تذهب الروح الى السكينة ، والنفس تسافر إلى عوالم مختلفة، تبتدئ بالحب الذي يتجسد بين شهرزاد وشهريار، لتتمشى بخطوات هادئة في حدائق أبي نواس، وهناك تُنشد: بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوعه العطر.. ثم تنتقل في الكرادة والمنصور والدورة.. كل مناطقها جميلة ورائعة. يعجبني ليل بغداد لا سيما حينما أكون مع الشباب ونتحدث عن مشاريعنا وأعمالنا المستقبلية.

* في ختام لقائنا، ابونا مارتن هل تود ان توجه كلمة ما؟

– كلمتي هي أن يحب الإنسان أخيه الإنسان كما هو، بغض النظر عن دينه او طائفته.

نشر في العدد 656 من جريدة بهرا.