اربيل المدللة

شيرزاد شيخاني
أمر عجب أن تخصص الحكومة الاتحادية ميزانية معتبرة لإقليم كردستان من دون أي إلتزام يرغم حكومة الإقليم على اعادة العوائد الاتحادية للمركز ، بما فيها عوائد النفط المصدرة من حقول وآبار إقليم كردستان ! .
ففي الموازنة السنوية للعام الجاري جرى ” إتفاق تحت البطانية ! ” بين الحكومتين على هذا الدفع من دون مقابل ، وكأن الحكومة الاتحادية تقول للطبقة الحاكمة في الإقليم ” إسرقوا عوائد النفط ، حلال عليكم “!!. وهناك تصريحات شبه مؤكدة بأن الكمية التي ألزم قانون الموازنة تسليمها من النفط الكردي المصدر الى شركة سومو الاتحادية والمقدرة بـ250 ألف برميل من النفط يوميا ، سوف لن تلتزم بها حكومة الإقليم تحت أي ظرف كان.
وما يثير أكثر من سؤال هو، أن وزارة النفط الاتحادية التي تعلن جهارا ونهارا أن حكومة الإقليم تصدر يوميا أكثر من أربعمائة ألف برميل من النفط يوميا ، ولكن مع ذلك فإن الكمية التي ألزم قانون الموازنة حكومة الإقليم بتسليم عوائدها لخزينة الدولة لا تتجاوز 250 ألف برميل! اذن لماذا لا يسأل أحد من السادة المسؤولين بوزارة النفط الاتحادية نفسه ، أين تذهب بقية الكمية المصدرة والبالغة 150 ألف برميل من النفط الكردي يوميا ؟!. وكيف تتغاضى الحكومة الاتحادية أساسا عن التصرف بتلك الكمية من قبل حكام الإقليم ؟!.
هناك تسريبات تتحدث أن الحكومة الاتحادية وافقت على أن تتصرف حكومة الإقليم بعوائد 150 ألف برميل من النفط لدفع الديون المترتبة عليها من الشركات الأجنبية ، بل أن هناك مخاوف عبر عنها عدد من النواب الكرد في البرلمان العراقي من أن تقوم حكومة الإقليم بإستقطاع مبالغ من الحصة المخصصة لرواتب موظفي الإقليم في الموازنة العامة والبالغة 522 مليار دينار شهريا ، لدفع جزء من تلك الديون ، ولكن الحكومة الاتحادية لم تسأل يوما ، لماذا وكيف تراكمت تلك الديون على حكومة الإقليم وهي التي تصدر منذ عام 2007 كميات هائلة من النفط دون أن يعرف أحد أين تذهب عوائده ؟.
كانت الآمال معقودة مع تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة على توصل الحكومتين الاتحادية والاقليمية الى إتفاق نهائي بشأن الملف النفطي هذا العام ، خاصة بعد سنوات طويلة من سرقة عوائد النفط الكردي من قبل العائلة الحاكمة في أربيل ، وكانت الأنظار تتجه نحو تسليم عوائد النفط الى بغداد مقابل عودة الحصة السنوية من الموازنة العامة والبالغة 17 بالمائة والتي كانت ستساعد على حل المشاكل الإقتصادية التي تعصف بالإقليم ، وتسهم بحل مشاكل الخدمات المتوقفة وإحياء البنى التحتية للإقليم . ولكن يبدو بأن ” الكل في الهوا سوا ” ولذلك غضت الحكومة الاتحادية الطرف عن جريمة سرقة موارد الإقليم المستمرة منذ أكثر من خمسة عشر عاما .
نحن نعلم بأن الفساد الضارب بالعراق منذ تشكيل أول حكومة عقب سقوط النظام السابق قد عم جميع الأحزاب والقوى السياسية العراقية ، وأنه أصبحت هناك مصلحة مشتركة بين هذه القوى للتستر على السرقات ونهب الأموال العامة ، وأنه أًصبحت هناك مصالح سياسية تتحكم بالعلاقة بين تلك الأحزاب على قاعدة ” شيلني وأشيلك ” لكن أن تصل الأمور الى هذا الحد من الإنفلات وعدم الإعتبار لأية مصلحة وطنية والسماح لطبقة سياسية فاسدة للاستئثار بموارد الدولة ، فهذه جريمة كبرى تصل الى حد الخيانة العظمى ، فالوضع في ظل تحكم بعض العوائل السياسية بكل مقدرات البلد أوصل حال العراقيين الى حافة الجوع والفقر والتخلف ، ولنا في المشاهد والمقاطع الفيديوية التي نراها بشكل يومي على صفحات التواصل الاجتماعي والتي توثق لوضع مدارس العراق ومستشفياتها ، وكيف يغوص الأطفال في الوحل والفيضانات أثناء توجههم الى مدارسهم ، وكذلك المشاهد المحزنة لآلاف الشباب العراقيين وهم يتجمهرون عند تقاطعات الشوارع يبيعون المناديل الورقية والعلك لتدبير أقوات عوائلهم ، خير دليل على ما وصل إليه حال العراقيين من البؤس ، في بلد يعوم على بحر من النفط الذي تذهب عوائده الى جيوب العائلات السياسية الحاكمة .
هناك العديد من الدول التي خرجت من القاع لتبني أوطانا متقدمة ومرفهة إقتصاديا ، منها دول آسيوية وأفريقية كان الجوع والتخلف يفتكان بها ، ولكنها نهضت من جديد بفضل ظهور طبقة سياسية وطنية تحب أن تبني وتعمر ، ولكن العراق الذي يمتلك ثروات بشرية ومادية هائلة وتبيع النفط منذ أكثر من تسعين سنة مازال شعبه يعيش في القاع بسبب الفساد الذي أصبح ثقافة متأصلة داخل الطبقة السياسية الحاكمة .
فيا ترى الى متى يتم التحكم بمقدرات الدولة من قبل هذه الطبقة الفاسدة التي أصبحت تشكل فعلا مافيات مدعومة من السلطات العليا ؟. هذا هو السؤال .