إفرازات التطرف الديني والقومي والاقليات العامة

يوسف زرا

بسبب التفاوت في التقدم الاجتماعي والاقتصادي والوعي السياسي بين غالبية شعوب دول المنطقة ذات التركيب الاجتماعي القومي والديني والمتعدد. والعراق منها حصراً. وبسبب التناقضات في المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الغربية الكبرى والاقليمية منها. فان عامل القوى لذوي النفوذ الاجتماعي الطبقي القبلي والديني فيها. لعب وسيبقى يلعب الدور المباشر والتأثير الفعال في الاستحواذ على مقاليد الحكم والسلطة المباشرة من قبل المكونات الاجتماعية, القومية والدينية ذات النفوذ الواسع في البنية التحتية العريضة للجميع. مما ادى ومنذ عقود من السنين في بدء تنحية غيرها من الاقليات القومية والدينية المذكورة. لا بل عبر مرحلة ظهور (داعش) في كل من سوريا والعراق وبالتعاقب (2012-2014) حتى الايام الاخيرة من عام 2017. كان الاضطهاد المبطن لخلق الصراعات والنزاعات الجانبية بينهما. وكل ذلك لغرض إسقاط مفهوم الوطن والمواطنة لدى الكيانات التاريخية للأقليات بالدرجة الاساسية.

مما ادى فعلا بجميع الاقليات – المسيحية واليزيدية تحديداً. الى بدء الهجرة الجماعية الى مختلف الدول الغربية الاوروبية والامريكية وغيرها. طلباً لتحقيق الحد الادنى من ابسط ظروف امنية ومعايشة فيها.

ولكي لا نغفل ما الت اليه الظروف الداخلية للأقليات المذكورة في العراق خاصة. وذلك بسبب استفحال التطرف الديني المذكور في المحافظات الثلاث – نينوى – انبار – ديالى وتبني سياسة حكومة اقليم كردستان العراق, ومنها الجناح القومي المتشدد والمتمثل في الوريث التاريخي للعائلة البرزانية القائدة للحركة القومية الكردية منذ عدة عقود من القرن الماضي في شمال العراق. وحسب بعدها الفكري السياسي القبلي, بانها مصيبة في طرح مشروع قيام دولة كردية مستقلة حالياً, وضمن المحافظات الثلاث المشخصة وهي – اربيل – سليمانية – دهوك مع طموحها بضم ما يعادل مساحة الاقليم المذكور من المناطق المجاورة له. بحجة مناطق متنازع عليها علما انها  اي القيادة المذكورة لها كل العلم ان جميع المناطق المذكورة فيها ومنها محافظة كركوك هي من المكونات الاجتماعية غير الكردية والتي لا تتجاوز نسبة الكرد فيها على 5% من مجموع السكان العام. والتي تشمل كل من – الكلدواشوريين سريان (المسيحية) واليزيديين والتركمان والشبك وغيرهم. فحاولت القيادة المذكورة الاستفادة من ضعف التواجد الرسمي للاجهزة الامنية للحكومة الاتحادية مما ادى ذلك الى وقوع التيار القومي الكردي المتشدد في الفخ السياسي المهيء له من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد. علاوة على ظهور التباين الواضح في مخطط الجناح المذكور مع باقي الكتل والاحزاب الكردية في الاقليم ولها تأثير مباشر في وحدة الحركة القومية الكردية وتتحمل نتائجها السلبية مجتمعة.

وبسبب هذه النظرة الضيقة امتد او زحفل النفوذ العسكري الكردي المتمثل بقوات البيشمركة الى غالبية المناطق الجغرافية للاقليات المذكورة والعاجزة عن الدفاع عن نفسها. محاولة القيادة المذكورة ضمها فعلا وقسرا الى الاقليم. مع استمالة بعض الاجنحة السياسية والاجتماعية الى جانبها. ومنها احزاب قومية اما ضعيفة او وهمية الى جانب المرجعيات الدينية المسيحية حصرا المتواجدة ضمنها او الموالية لها فعلا ايضاً.

علاوة على الاهمال المتعمد للعداء التاريخي للحركة القومية الكردية في كل من ايران – تركيا وسوريا وغيرها. والتي فيها ايضا جغرافياً, اقاليم غالبيتها من الشعب الكردي ولا تتمتع باي حقوق سياسية وادارية وثقافية نسبياً, قياساً للشعب الكردي في العراق.

وهذا لا يعني ان الشعب الكردي ولغيره لا يحق ان يقرر مصيره ووفق القوانين الدولية واعلان حقوق الانسان لعام 1949.

غير ان ضمن المناطق المتنازع عليها والمتشبثة بها فصائل البيشمركة مكونات اجتماعية قومية ودينية واثنية. ذات إرث حضاري وارتباط تاريخي في جغرافية عموم وادي الرافدين. وان جزء من جغرافية الاقليم هو ذات انتماء تاريخي بحضارة الوادي المذكورة. وبسبب هذه النظرة الضيقة والمتطرفة نوعا ما. طفح على ارض الواقع ما يلي:-

اقصاء غالبية المكونات الاجتماعية للأقليات القومية والدينية من المساهمة الفعالة في المجال السياسي والحكومي المناسب في القرارات المصيرية للشعب العراقي ككل. وسبب ذلك احتكار السلطة الرسمية عبر النفوذ الاجتماعي القبلي الفاعل ضمن التنظيمات الحزبية ومنغلقة على ذاتها فكريا وسياسيا.

استقطاب النظام الاجتماعي الطبقي القومي وتشبثه بالتطرف السياسي عبر اجندة اجتماعية وحزبية خاصة مجندة مباشرة من قبله وفي خدمته ايضا.

استحواذ القيادة الحزبية ذات المفاهيم القبلية المتنفذة على غالبية المصادر والمرافق الاقتصادية الرئيسية, وقطعاته المنقولة منها وغير المنقولة – كالعقارات والاراضي الزراعية والاعمال التجارية الناشئة محليا وغيرها.

التظامن التوأمي التاريخي بين رجالات المرجعيات الدينية والنظام الاقطاعي بدون استثناء ( وعلى عموم العالم الثالث ومنطقة الشرق الاوسط خاصة). بغية الانفراد بالسلطتين الزمنية والدينية. ومنها التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبأي مستوى متواجد – وذات العلاقة بجميع مفردات الحياة الاجتماعية اليومية.

تهميش الحقوق الاجتماعية والسياسية للطبقتين العمالية والفلاحية عبر اجهزة خاصة على ارض الواقع. وذات النفوذ المباشر الطبقي والعشائري المتأخر نسبيا.

استثمار حالة الوهن والضعف الوقتي للحكومة الاتحادية. والمعترف بها اقليميا ودوليا. بسبب انشغالها في حربها ضد – داعش – وتجريدها من احقية واهمية السلطة الدستورية لها. باعتمادها على النفوذ الخارجي والاقليمي والدولي المساند لها ظاهريا او باطنياً وحسب المصالح المادية والحزبية الضيقة لحكومة الاقليم.

محاربة اية فكرة سياسية او اجتماعية ذات افاق تحررية مستقبلية لقيام نظام دولة ديمقراطية تعددية – سياسية – اجتماعية. خوفا على تحجيم الفكر الاجتماعي للنفوذ القبلي, والمتمثل اجتماعيا ودينيا لاحقا بالاكثرية.

واخيرا لا بد ان نقول:-

لا يمكن ضمان الاستقرار الامني والازدهار الاقتصادي والتعايش الاجتماعي السلمي بين جميع مكونات الشعب العراقي. الا بقيام دولة ديمقراطية تعددية سياسياً وادارياً, لجميع شرائع المجتمع كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات القانونية ومن ضمنهم الشعب الكردي في اقليمه وغيره ايضاً.

نشر المقال في العدد 657 من جريدة بهرا